على الانتحار إذا رأى عدم تحمّله للآلام التي تمرّ بها حياته وإنقاذه من الظروف المؤلمة التي تحيط به فيهرب من هذا الألم من خلال الانتحار ، وسرّ ذلك يكمن في أنّ المنتحر لا يجد أمامه طريقه تخلّصه من هذا الألم إلّا الانتحار ، وهذا المعنى يوجد أيضاً عند تناول الإنسان للدواء المرّ ، وليس ذلك إلّا لأجل رفع الألم الحاصل عنده ، فلو لم يكن الإنسان محبّاً لذاته لما سعى لرفع الألم والنقص الحاصل عنده .
وخلاصة الفكرة أنّ الإنسان إذا وجد في نفسه ميلًا شديداً نحو العلم أو إلى الأخلاق أو الفنّ أو الجمال ، فإنّ هذا الميل هو شعبة نابعة من ذلك العشق للكمال وإشعاعة من إشعاعاته ، كلّ ذلك نتيجة حبّ الإنسان لذاته الذي يدفع بالإنسان إلى كسب كمالات ذاته ودفع النقص عنها .
اختلاف الناس في تشخيص الكمال
بعدما تقدّم في مطاوي البحث أنّ الإنسان مفطور على حبّ الكمال ورفع النقص عن نفسه ، ينبغي الإلفات إلى شئ مهمّ ، وهو أنّ الناس يختلفون في تحديد وتشخيص مصداق الكمال والنقص .
فكلّ إنسان يطلب الكمال والسعادة ويسعى إلى تحقيقها ، إلّا أنّ الشئ المهمّ هو الاختلاف في تحديد مصداق ذلك الكمال والسعادة ، فالبعض يحسب أنّ كماله في الثروة والمال فيتفانى في سبيل تحصيلها وبعض يرى كماله في الجاه والسلطة ، والبعض يرى كماله في العلم وهكذا ، والسبب في ذلك هو أنّ في المرء جنوحاً في الغرائز وتقلّباً في الأهواء ، كذلك له طباع يرثها من أسلافه وقد تكون رديئة ، ولديه تقاليد يألفها من مجتمعه وقد تكون مذمومة ، وله عادات يكسبها بإرادته وقد تكون ساقطة ، كلّ ذلك يؤثّر في تحديد وتشخيص الإنسان لكماله الحقيقي .