إذاً كلّ إنسان يطلب بحسب حبّه لذاته كمالًا لا متناهياً « 1 » .
إذاً من خلال التّأمل في الميول الفطرية للإنسان ، نجد أنّها تسوقه نحو اللا نهاية ، وأنّ إشباعها لا يحصل إلّا بالاتّصال بمنبع العلم والقدرة
والارتباط بمعدن الجمال والكمال اللامتناهى ، وبهذا الارتباط يُشبع الإنسان ميله للقدرة التي لا تقهر والعلم الذي لا ينتهى . . . ، وفى هذه المرتبة يصل إلى محبوبه ذي الجمال والكمال اللامتناهى ، ويجد نفسه في أحضان اللطف والعناية اللا محدودة ، فيروى بذلك كلّ ظمئه وحاجاته ؛ لذا ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّ الله تعالى قال في الحديث القدسي :
« ما تقرّب إلىّ عبد بشئ أحبّ إلىّ مما افترضت عليه ، وإنّه ليتقرّب إلىّ بالنافلة حتى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها ، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته ، وما تردّدت عن شئ أنا فاعله كتردّدى عن موت المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته » « 2 » ( .
أي أنّ الكمال الحقيقي والسعادة الحقيقية للإنسان هو القرب الإلهى ، إلّا أنّ المؤسف أنّ كثيراً من الناس يرى أنّ كماله المطلق في غير القرب من الله تعالى ، وما ذلك إلّا بسبب الوقوع في حبائل الدنيا والشهوات .
بعبارة أخرى : إنّهم أخطؤوا في تطبيق مفهوم الكمال المطلق على
هامش
( 1 ) يعدّ طلب الإنسان للكمال اللامحدود من أهمّ أدلّة إثبات الواجب ، بتقريب : أنّ اللامحدود واللامتناهى غير موجود في المخلوقات ؛ لأنها محدودة متناهية ، ومن الواضح أنّ المتناهى لا يستطيع أن يجعل نفسه غير متناهٍ ؛ لأنّ فاقد الشئ لا يعطيه ، فلابدّ من وجود موجد لا متناهٍ ، وهو الواجب تعالى ، فالله تعالى هو الذي عنده القدرة اللامتناهية والعلم اللامتناهى والجمال اللامتناهى .
( 2 ) الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 353 .