أعذبه أكذبه
من المشهورات عند شعراء اللغة العربية قولهم : ( الشعر أكذبه أعذبه ) وقد استخفّ بعض الأدباء المحدثين بهذا القول ذهاباً إلى أن الكذب من أقبح الأشياء فكيف يكون مستملحاً ، مضافاً إلى أن القيمة للشعر إنّما هي بالتصوّر المؤثّر فإذا كان كاذباً فليس في الكذب تصوير لواقع الشيء .
وهذا النقد حقّ لو كان المراد من الشعر الكاذب مجرّد الإخبار عن الواقع كذباً . غير أن مثل هذا الإخبار - كما تقدم - ليس من الشعر في شيء وإن كان صادقاً .
وإنما الشعر بالتصوير والتخييل . ولكن يجب أن نفهم أن تصوير الواقع تارة يكون بما له من الحقيقة الواقعة بلا تحوير ولا إضافة شيء على صورته ولا مبالغة فيه أو حيلة في تمثيله . ومثل هذا يكون ضعيف التأثير على النفس ولا يوجب الالتذاذ المطلوب .
وتارة أخرى يكون بصورة تخييلية - على ما نوضّحه فيما بعد - بأن تكون كالرتوش التي تصنع للصورة الفوتوغرافية إمّا بتحسين أو بتقبيح ، مع أن الواقع من ملامح ذي الصورة محفوظ فيها ، أو كالصورة الكاريكاتورية التي تحكي صورة الشخص بملامحه المميّزة له ، مع ما يفيض عليها المصوّر من خياله من تحريفات للتعبير عن بعض أخلاقه أو حالاته أو أفكاره أو نحو ذلك .
فهذا التعبير أو التصوير من جهة صادق ، ومن جهة أخرى كاذب ولكنه في عين كونه كاذباً هو صادق . وهذا من العجيب . ولكن معناه أن المراد الجدي - أي المقصود بيانه واقعاً وجدّاً - من هذا التخييل صادق ، في حين إن