الشرح
بعد أن علمت ما للتخييل من دور في صناعة الشعر وأنّه عبارة عن صناعة صورة لا واقع لها قبل إعمال المتخيّلة دورها فصلًا أو وصلًا ، بل وكلما ازدادت المتخيّلة إمعاناً في إيجاد صورة أبعد عن الواقع ، كان الشعر أرقى وآنق ، وإلا فلا شعر ولا شاعرية في كلام يتناول الواقع بمفرداته كما هو ، وقد علمت أنّ المنظومات العلمية وإنّ قامت على وزن ما ، إلّا إنّ هذا لا يشفع لها وحده لأن تكون شعراً بل ما هي إلّا محض نظم ، وقد سمعت أنّ النظم أعمّ مطلقاً من الشعر .
هذا الذي علمته في الأبحاث المتقدمة قد لُخّص في عبارة مختصرة معبّرة عن حقيقة الشعر خير تعبير . وهي : « الشعر أكذبه أعذبه » أي كلما ازدادت مخالفة الكلام الموزون للواقع ، ازدادت شاعريته وعذوبته .
وهذا قد أثار حفيظة البعض من أهل الأدب حيث عدّوه استملاحاً للكذب الذي لا شكّ في قبحه ، وكيف يمكن أن يستخدم الشعر الذي هو كذب - نظراً لعذوبته - في تصوير الواقع مع أنّه لا يمتّ إليه بصلة ، وبعبارة أوضح : كيف يمكن تصوير الواقع بكلام غير مطابق للواقع ، حيث إنّ الكذب هو الكلام الغير مطابق للواقع ؟
لقد عالج المصنّف ( رحمه الله ) هذا الإشكال الناشئ عن قلة التدبّر في حقيقة الأمر وجوهره ، وذلك من خلال التمييز بين مستويين من المراد من الكلام :
1 . المراد الاستعمالي .
2 . المراد الجدّي .
أمّا الأوّل فيراد به مجرّد استعمال الألفاظ فيما وضعت لها ، والذي يترتّب
شرح كتاب المنطق — صفحة 270
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٧٠