الشاعر تجربة في الحياة التي أكسبته خبرة وتبصّراً في الأمور ، فراح يتأنى ويتحلّم ويدعو إلى التحلي بذلك وبمختلف الفضائل التي تزيّن الإنسان وتظهره بمظهر محبّب للآخرين :
أصالة الرأي صانتني عن الخطل * وحلية الفضل زانتني لدى العطل
مجدي أخيراً ومجدي أوّلًا شرع * فالشمس راْد الضحى كالشمس في الطّفَل
بل لقد اشتهر بعض الشعراء بأنّه من شعراء الحكمة ؛ حيث كثر شعره فيها ، كما اشتهر البعض بالفخر أو العزل أو غير ذلك من أغراض الشعر المختلفة .
فهذا زهير بن أبي سلمى قد أفرد مساحة واسعة من معلّقته وقف فيها واعظاً مرشداً بني قومه الذين دخلوا في حرب دامت أربعين سنة من أجل فرسين يسميّان ب - « داحس » و « الغبراء » مع بني عبس وفعلت بهم الحرب ما فعلت من فظائع حتّى قيّض الله لهم رجلين حكيمين فأنهيا هذه الملحمة التي ما ولدت لأهلها إلّا الدمار والهلاك ، والرجلان هما : الحارث بن عوف ، وهرم بن سنان . قال النابغة بمدحهما ويذكر فضلهما وهو يشنّع على الحرب ويظهر ما تجرّه على أهلها من ويلات :
يميناً لنعم السيدان وجدتما * على كلّ حال من سحيل ومبرم
تداركتما عبساً وذبيان بعدما * على كلّ حال من سحيل ومبرم
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ * وما هو عنها بالحديث المرجّم
إلى أنْ يقول :
ومَنْ لا يصانع في أمور كثيرة * يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه * يَفِرْه « 1 » ومن لا يتّق الشتم يشتم
هامش
( 1 ) وفرت الشيء أفره وفراً : أكثرته ، ووفرته وفوفر وفوراً .