تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
[ قد قلنا في الجدل : إن المعول في تأليف صوره غالباً على القياس والاستقراء ، وفي الخطابة أكثر ما يعوّل على القياس والتمثيل ، وإن استعمل الاستقراء أحياناً ] وذلك لأنّ الجدل والخطابة نحو استدلال وحجّة للوصول إلى مجهول تصديقي ، وهذا النحو من الاستدلال لا شكّ يتألّف من مادّة وصورة . إذن الخطابة تقوم على مادة تسانخ الدور الذي يؤخذ على عاتقها وهو الإقناع ، ولذلك كانت الخطابة حجّة إقناعية ، والمادّة التي تعين على أداء ذلك الدور هي المشهورات - كما تقدّم - وتقوم أيضاً على صورة وهيئة ، والصورة والهيئة هي غالباً ما تكون قياساً وتمثيلًا وأحياناً استقراءً ، لكن وكما أشير إلى أن القياس أو التمثيل اللذين يستعملان كصورة في الحجة الإقناعية لا يشترط توفّر شروط كلٍّ منهما بحذافيرها . ولذلك قال المصنف ( قدّس سرّه ) : [ ولا يجب في القياس وغيره عند استعماله هنا أن يكون يقينياً من ناحية تأليفه ، أي لا يجب أن يكون حافظاً لجميع شرائط الإنتاج ، بل يكفي أن يكون تأليفه منتجاً بحسب الظنّ الغالب وإن لم يكن منتجاً دائماً ] ، وهذا التراخي والتساهل في شروط القياس إنما تفرضه طبيعة الغرض المتوخّى من الخطابة ، حيث إنّ الإقناع - وهو غرضها - لا يحتاج إلى توفّر كل شروط القياس ، وذلك لأنّها تؤدّي إلى اليقين ، ونحن غرضنا من الخطابة لا يرقى إلى مستواه . [ كما لو تألّف القياس مثلًا على نحو الشكل الثاني ] ، قد علمت أنّ الشكل الثاني هو ما يكون الحد الأوسط فيه محمولًا في الكبرى والصغرى [ من موجبتين ، كما يقال : فلان يمشي متأنّياً فهو مريض . فحذفت كبراه الموجبة وهي ( كلّ مريض يمشي متأنيّاً ) مع أن الشكل الثاني من شروطه اختلاف المقدّمتين بالكيف ] ، إذن الذي غفر تجاوز هذا الشرط هو أننا لسنا في مقام الوصول إلى اليقين بل إنما نحن بصدد الإقناع الذي يكفي