ونستعين على توضيح مقصودنا بذكر تمهيد نافع ثم نذكر وجه حاجة الإنسان في نفسه إلى معرفة مباحث الألفاظ نتيجة للتمهيد ، فنقول :
« التمهيد » إنّ للأشياء أربعة وجودات : وجودان حقيقيان ، ووجودان اعتباريان جعليان .
الأوّل : « الوجود الخارجي » ، كوجودك ووجود الأشياء التي حولك ونحوها من أفراد الإنسان والحيوان والشجر والحجر والشمس والقمر والنجوم ، إلى غير ذلك من الوجودات الخارجية التي لا حصر لها .
الثاني : « الوجود الذهني » ، وهو علمنا بالأشياء الخارجية وغيرها من المفاهيم . وقد قلنا سابقاً : إنّ للإنسان قوة تنطبع فيها صور الأشياء ، وهذه القوة تسمّى الذهن ، والانطباع فيها يسمّى الوجود الذهني الذي هو « العلم » .
وهذان الوجودان هما الوجودان الحقيقيان ، لماذا ؟ لأنّهما ليسا بوضع واضع ولا باعتبار معتبر .
الثالث : « الوجود اللفظي » ، بيانه : إنّ الإنسان لما كان اجتماعياً بالطبع ومضطراً للتعامل والتفاهم مع باقي أفراد نوعه فإنّه محتاج إلى نقل أفكاره إلى الغير وفهم أفكار الغير . والطريقة الأوّلية للتفهيم هي أن يحضر الأشياء الخارجية بنفسها ، ليحسّ بها الغير بإحدى الحواسّ فيدركها ، ولكنّ هذه الطريقة من التفهيم تكلّفه كثيراً من العناء ، على أنّها لا تفي بتفهيم أكثر الأشياء والمعاني ، إما لأنها ليست من الموجودات الخارجية ، أو لأنها لا يمكن إحضارها .
فألهم الله تعالى الإنسان طريقة سهلة سريعة في التفهيم ، بأن منحه قوّة على الكلام والنطق بتقاطيع الحروف ليؤلّف منها الألفاظ . وبمرور الزمن دعت الإنسان الحاجة - وهي أم الاختراع - إلى أن يضع لكلّ معنى
شرح كتاب المنطق — صفحة 122
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٢