لأنّ التكاليف الشاقّة وإن كانت بظاهرها شاقّة ، لكن وراء التكاليف مصالح لازمة التحصيل ، أو مفاسد واجبة التحرّز ، ومثل التكاليف الشاقّة كمثل شرب الدواء المرّ أو تحمّل الكيّ بالنار ، فإنّ الجميع بظاهرها شاقّ ولكنّها في الباطن تعدّ من أسباب السعادة والسلامة .
وهذا ما ذكره الإمام الخميني ( قدس سره ) بقوله : « إنّ التكاليف الشرعيّة الصادرة من جانب المولى الحقيقي مشتملة على مصالح ترجع إلى العباد أنفسهم ، فهي بحسب الحقيقة منّةٌ من جانبه تعالى عليهم ، فكيف يستحقّون بإطاعاتهم وامتثالهم الأجر والأجرة ؟ وكيف يستحقّ المريض أجراً من الطبيب بإزاء عمله بأوامر الطبيب ؟ » ولعلّ هذا هو مراد المفيد ( رحمه الله ) وأمثاله حيث ذهبوا إلى أنّه من باب التفضّل لا الاستحقاق » بل الاستحقاق هنا بمعنى اللياقة لقبول التفضّل من جانب الباري تعالى ، أي : أنّ من كان مطيعاً كان إنساناً كاملًا ، والإنسان الكامل يليق بإنعام الله تعالى وتفضّله عليه بمقتضى حكمته ؛ فإنّ التسوية بين المطيع والعاصي ، والمؤمن والفاسق ، مخالفٌ للحكمة .
بعبارة أخرى : الاستحقاق للأجرة والاستعداد لها بحيث يعدّ عدم إعطائها ظلماً . . . فلا يعدّ ترك الثواب حينئذٍ من مصاديق الظلم . نعم ، إنّه ينافي حكمة الباري الحكيم لأنّ لازمه التسوية بين المطيع والعاصي » « 1 » .
وبهذا يتّضح : أنّ الاستحقاق في المقام لا ينافي التفضّل ، بل يعدّ الاستحقاق من مصاديق التفضّل .
ثمّ ذكر ( قدس سره ) : « أنّه قد يجتمع مع تفضّلٍ أكثر يعبّر عنه في لسان الآيات بالفضل كما يعبّر عن الأوّل بالأجر ، ويدلّ عليه قوله تعالى : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ - وقد مرّ آنفاً - واختلاف التعبير ناظر إلى اختلاف مراتب الفضل فحسب ، فالتعبير بالأجر مخصوص بمرتبة من التفضّل يعطى
هامش
( 1 ) أنوار الأصول : ج 1 ص 383 .