بالمحال ، بنفسه محال ، فإنّ التكليف الحقيقي إنّما يصدر من المولى بداعي انبعاث المكلّف وتحرّكه نحو العمل ، فإذا كان نفس المكلّف به محالًا ، كالجمع بين السواد والبياض ، أو الصعود إلى السماء بلا وسيلة ، فلا محالة لا تنقدح الإرادة في نفسه جدّاً ، وإن تكلّم به فإنّما يتكلّم به لدواعٍ أُخر .
ومثله : إذا كان هناك تكليف ، وكان كلّ واحدٍ منهما أمراً ممكناً ، والزمان لا يتّسع إلّا لواحدٍ منهما ؛ فهذا أيضاً لا يصدر من المولى ؛ لا لأنّ المكلّف به أمرٌ محال ؛ لأنّ المفروض أنّ كلّ واحدٍ منهما أمرٌ ممكن ، وليس الجمع هو المأمور به حتّى يكون الامتناع لأجل طلب الجمع ، بل من جهة تزاحمهما في مقام التأثير وإيجاد الداعي ، فإنّ كلّ واحد من الضدّين ، وإن كان بحياله أمراً ممكناً ، لكن لمّا كان قيامه بهذا الواجب وذاك الواجب في زمانٍ لا يسع إلّا واحداً منهما أمراً غير ممكن ، كان صدور الطلب من المولى بهذا النحو أمراً محالًا بعد التفاته إلى الحال .
وأمّا إذا فرض البعثان غير متزاحمين في مقام التأثير ، بل كان تأثير أحدهما عند عدم تأثير الأخر وخلوّ الطرف من المزاحم ، فلا محالة ينقدح في نفس المولى طلبٌ آخر يتعلّق بالضدّ ؛ إذ الفعل مقدورٌ للمكلّف ، والأمر الأوّل غير باعثٍ ولا داعٍ ، والزمان خالٍ عن الفعل بحيث لو لم يشغله المهمّ ، لكان الزمان فارغاً عن الفعل مطلقاً . فأيّ مانعٍ من طلب المهمّ عند عدم تأثير الأهمّ وعدم باعثيّته ؟
وبالجملة : امتناع الترتّب لأجل أحد أمور :
الأوّل : من جهة امتناع التشريع .
الثاني : من جانب التزاحم في مقام التأثير .
الثالث : من جهة القصور في جانب الامتثال .
والكلّ منتفٍ .
أمّا الأوّل : فلأنّ المفروض أنّ كلّ واحدٍ من الضدّين أمرٌ ممكن ، وليس
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 185
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٨٥