الشريعة الإسلاميّة نصّت على كلّ شيء حتّى أرش الخدش ، وتفسير هذه المقولة بطريقة حرفيّة خاطئة ، هو الذي أدّى إلى هذا التجريد ، فحسب البعض بأن أخذ الظروف والشروط كجزء من شرائط الموضوع الذي جاء عليه الحكم ، يعني اقتصار الحكم على تلك القضيّة الخارجيّة ، وهذا ما يتنافى مع شموليّة الشريعة المفترضة ؛ إذ لا يمكن توسعة الحكم في مثل هذه الحالة ، فلجأوا إلى ممارسة مثل هذا التجريد ، مع إغماض النظر عن الشرائط والظروف التي أحاطت بزمن صدور النص ؛ حفاظاً على تلك ( الكبرى المنهجيّة ) .
عندما يقرّر القرآن والنبيّ الأكرم ( ص ) والأئمّة ( عليهم السلام ) بأن الإسلام هو خاتمة الأديان ، وأنّه يحمل شموليّةً وإجابةً لكل استفهامٍ وسؤالٍ يواجه الفرد في مسيرته التكامليّة ، ونعلم أيضاً بأن هناك مجموعةً من الأحكام قد وردت إلينا سواء عن طريق القرآن أو عن طريق السنّة بمعناها العامّ ، ففي مثل هذه الحالة أمامنا خياران : إمّا أن نقرّر بأن هذه الأحكام جاءت في إطار تلك الشروط والظروف المعيّنة ، فتضحى عمليّة سحبها إلى غير تلك الشروط والظروف غير مستندةٍ إلى دليل ، وهذا يعني التناقض مع أبده المسلّمات التي تلازم خاتميّة الشريعة الإسلاميّة وشموليتها ، وهذا هو ( الخيار الأوّل ) .
أمّا ( الخيار الثاني ) : فهو يعني أن المشرّع لحظ بطلان ما يؤول إليه الخيار الأوّل ؛ لأن ذلك يؤدّي إلى عدم التفات المشرّع للمراحل المستقبليّة ، وهو أمر يتنافى مع شموليّة شريعته وخاتميتها المفترضة ، من هنا استوجب الأمر أن تُفهم تلك النصوص بروح تجريديّة خالصة ؛ جراء تلك الشموليّة المفترضة .
لا شكّ بأن الشموليّة المفترضة - على الخلاف في تفسيرها - مطلب أساسي وقاعدة عامّة لا يمكن التنازل عنها ، وهي شأن ميّز خاتميّة الرسالة المحمديّة الأصيلة ، ولا شكّ أيضاً بأن الشارع لحظ في أحكامه هذه الخصوصيّة ، لكن
رسائل فقهية — صفحة 9
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٩