مقدّمة : الزمان والمكان ونظرية المعرفة الفقهية
يتَّفق الباحثون في المعرفة الدينيّة على ضرورة تحديد المرجعيات المعرفيّة الأولى كمصادر تدور حولها الأبحاث وتُستلّ منها النتائج ، وهو أصل ثابت يسلّم به جميع الباحثين ، لا في علم الفقه فقط ، بل في جميع العلوم ، بيد أنّهم يختلفون بعد ذلك في طبيعة هذه المرجعيات وخصائصها ، فيطرح كلّ فريقٍ رؤيته في تفسير هذا المرجع أو ذاك .
وقد اتّفقت كلمة علماء مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) على فرضيّة أن المرجعيات الأولى التي يُرجع إليها في عموم المنظومة الدينيّة واستنباطاتها هي : الكتاب والسنَّة والإجماع والعقل ، لكن وقع الاختلاف - بعد ذلك - في تفسير حدود وضوابط الرجوع إلى هذه المرجعيات والمصادر ، بل وفي أولويات استخدامها ، فجاءت نظريّات متعدّدة في هذا المجال ؛ فضيَّقت دليليّة بعضها ، ووسّعت من دليليّة الأخرى ، وطرحت أولويات معيّنة ، وهي أبحاث قد تُتداول اليوم تحت عنوان ( نظريّة المعرفة الفقهيّة ) .
وفي سياق هذا الاختلاف يُطرح عنصرا الزمان والمكان في أبحاث نظريّة المعرفة الفقهيّة ، وهل لهما تأثير في عمليّة الاجتهاد الديني ، بمعنى دخالتهما في تغيّر الحكم إمّا بشكل مباشر أو عن طريق تغيّر الموضوع أم لا تأثير لهما أصلًا ؟ وهل يمكن لمن يريد أن يستنبط حكماً دينياً أن يغفل هذين العنصرين ويستنتج حكماً عامّاً خارجاً عن إطارهما ؟ أيمكن لنا الوقوف على قاعدة عامّة تفرّق بين الأحكام التي صدرت من الشارع المقدَّس دون لحاظ عنصري الزمان