تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
الحجّ رحلةٌ توحيديّةٌ خالصةٌ فإنّه يتعيّن عليه الأخذ بالأسباب المفضية لذلك ، وهذا ما نأمل التوفيق في تصويره وتقريبه في صورٍ روحانيّةٍ ، وهي كالتالي :

الصور الروحانيّة العامّة للحجّ

أوّلًا : ينبغي للحاجّ أن يغلق جميع أبواب الجذب أو الالتفات الدنيويّ ، فلا يترك خلفه ما ينغّص عليه حجّه ، فالحجّ رحلةٌ من العبوديّات الأخرى ، ورحلة كفّ الالتفات إلى الأغيار ، وفيه يتحقّق : « عتق النفوس من الاستكبار ، ووضع الآصار والأغلال من الأعناق والأيدي والأرجل ؛ لإخراج الناس من ذلّ الأديان إلى عزّ الإسلام » « 1 » . ثانياً : أن يحرص على أن يكون زاده وزوّادته وسائر أجور رحلته من المال الحلال ، فلا تطأ أقدامه أرض المقدّسات - مكّة والمدينة - وفي جيبه درهمٌ من مالٍ حرامٍ أو شبهةٍ ، فذلك مانعٌ معنويٌّ عن التزوّد بالفيوضات ، وقد قيل في ذلك :
إذَا حَجَجْتَ بِمَالٍ أَصْلُهُ سُحْتٌ * فَمَا حَجَجْتَ وَلكِنْ حَجَّتِ الْعِيرُ
كما أنّ عليه أن يُعتق نفسه من حكومة المادّيّات ، فالغنيّ يكفّ عن سطوة غناه ، والفقير يكفّ عن النظر عمّا زُوّد به سواه ، ولينظر إلى نبيّ الله موسى ( عليه السلام ) كيف أنّه أُمر بأن يخلي نفسه من المادّيّات وهو يطأ الوادي المقدّس ؛ قال تعالى : إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ( طه : 12 ) ؛ لأنّه في رحلةٍ ينطفئ فيها بريق الكثرات ، وهكذا الحاجّ في حجّه التوحيديّ العرفانيّ ، يبقى مشدوداً للوحدة المفضية للتوحيد الحقّيّ ، وينسلّ عن الكثرة بالكفِّ عن الالتفات .
هامش
( 1 ) أسرار الحجّ ، لآية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآملي : ص 8 .