تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
إلى حضرة القدس ، وفي ذلك خلاصة التوحيد ، وقد نبّهت بعض آي القرآن إلى الهدف من مناسك الحجّ الكامن في تحقيق التوحيد العرفانيّ الموافق لمعرفة الله ؛ قال تعالى : وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( الحجّ : 26 ) ، حيث نهى عن مطلق الشرك ، سواءٌ كان ظاهراً كشرك الوثنيّين أو كان شركاً باطنيّاً وخفيّاً كالرياء المسمّى في الأخبار بالشرك الأصغر ، فإذا استجمع الحاجّ ذلك يكون حجّه إبراهيميّاً توحيديّاً ، وهذا الحجّ التوحيديّ ليس بالأمر السهل ، فإنّ الكثير من الحجيج لا يوفّقون للحجّ التوحيديّ الخالص ، قال تعالى : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( يوسف : 106 ) ، والحجّ التوحيديّ هو الحجّ المشتمل على كمالات التوحيد العرفانيّ ، والتوحيد العرفانيّ له مراتب ثلاثٌ ، وهي : التوحيد الذاتيّ والتوحيد الصفاتيّ والتوحيد الأفعاليّ ، وقد ورد في الخبر عن أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال : « قال جبرائيل ( عليه السلام ) لرسول الله ( ص ) : طوبى لمن قال من أمّتك : لا إله إلّا الله وحده وحده وحده » « 1 » ، ولعلّ في إرداف كلمة التوحيد بتكرار كلمة ( وحده ) ثلاثاً إشارةً إلى مراتب التوحيد الثلاث الآنفة الذكر ، والتي بها ينقطع أثر الشرك تماماً . وقد ارتأينا عرض صورٍ روحانيّةٍ للحجّ على مستويين ، عامٍّ وخاصٍّ ، حاولنا من خلالها إضاءة الزوايا غير المنظورة عادةً من قبل كثير من الحجّاج ، نتيجة الاشتغال بالظواهر وما تقتضيه المادّيّات ، مع أنّ الحجّ رحلةٌ تجمع بين الظاهر والباطن ، فإذا لم يُعلم سرّ الظاهر وباطنه فإنّ الظاهر المأتيّ به موتورٌ ، كما إذا اهتمّ بالباطن دون الظاهر فإنّه أمرٌ غير ميسورٍ ، وإذا ما علم الحاجّ أنّ
هامش
( 1 ) الأصول من الكافي ، للشيخ الكلينيّ : ج 2 ، ص 517 ، ح 1 .
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية) — صفحة 160 | السيد كمال الحيدري