الصورة العلميّة ، وهذا هو الذي أُشير إليه في نصوص قرآنيّة كثيرة من أنّه تعالى إنّما أنزل القرآن ليُعلم ويُفهم ويفقه ويتدبّر ويتفقّه فيه ، محكمه ومتشابهه ، وإن لم يُعلم تأويله إلّا لمن اصطفاهم كما سيأتي لاحقاً .
العلاقة بين التأويل والتنزيل
قبل بيان العلاقة القائمة ما بين تأويل القرآن وتنزيله ، لابدّ أن نستذكر ما تقدّم في مطاوي الأبحاث السابقة ، من أنّ المراد من نزول القرآن الكريم هو النزول على نحو التجلّي لا التجافي ، حيث قلنا إنّ من أهمّ خصائص النزول على نحو التجلّي هو أنّ الشيء إذا نزل إلى المرتبة الدانية فإنّه لا يفقد كينونته ووجوده في المرتبة العالية . على هذا فإنّ القرآن بعد نزوله إلينا في عالمنا المشهود لا يفقده وجوده في مرتبة الخزائن الإلهيّة .
من هنا قد يُتساءل عن العلاقة القائمة ما بين هاتين المرتبتين من القرآن ؟
والجواب عن ذلك :
تارةً : من خلال البحث الفلسفي ، وهو أن يقال : إنّ هذا الكتاب الذي جُعل بلسان عربيٍّ مبين متّحد مع ما في اللّوح المحفوظ اتّحاد الحقيقة والرقيقة ، والثابت في البحث الفلسفي أنّ الرقيقة هي الحقيقة بوجود أضعف ، والحقيقة هي الرقيقة بوجود أعلى وأشرف .
وأخرى : من خلال البيان القرآني ، فإنّه بعد أن اتّضح أنّ وراء ما
نقرؤه ونعقله من القرآن أمراً هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد ، وهو الذي تعتمد وتتّكي عليه معارف القرآن المنزّل ومضامينه ، وليس هو من سنخ الألفاظ المفرّقة المقطّعة ولا المعاني المدلول عليها بها ، نقول :
إنّ نسبةَ التأويل إلى المعارف والمقاصد المبيّنة نسبةُ الممثّل إلى المثال ، وإنّ جميع المعارف القرآنيّة أمثال مضروبة للتأويل عند الله ، إلّا أنّه لابدّ من الالتفات إلى أنّ تأويل الآية - وإن كان أمراً خارجيّاً - نسبته إلى مدلول الآية