كتاب مقروء بلباس عربيٍّ فصيح لعلّهم يعقلون ما لا تناله عقولهم في تلك المرتبة ؛ لأنّها حقيقة خارجة عن عالم اللّفظ والمفهوم . وهذا ما أشار إليه الطباطبائي في ذيل قوله تعالى : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، بقوله : « الضمير للكتاب ، وقُرْآناً عَرَبِيّاً أي مقرّراً باللغة العربيّة ، و « لعلّكم تعقلون » غاية الجعْل وغرضه ، وهذا يشهد بأنّه له مرحلة من الكينونة والوجود لا ينالها عقول الناس ، ومن شأن العقل أن ينال كلّ أمر فكريّ وإن بلغ من اللطافة والدقّة ما بلغ .
فمفاد الآية أنّ الكتاب بحسب موطنه الذي له في نفسه أمرٌ وراء الفكر ، أجنبيّ عن العقول البشريّة ، وإنّما جعله الله قرآناً عربيّاً وألبسه هذا اللِّباس رجاء أن يستأنس به عقول الناس فيعقلوه » « 1 » .
وهذا ما ذهب إليه جملة من الأعلام المعاصرين ، قال صاحب تفسير المنار ما نصّه : « فتبيّن من هذه الآيات أنّ لفظ التأويل لم يرد في القرآن إلّا بمعنى الأمر العملي الذي يقع في المآل ، تصديقاً لخبر أو لرؤيا أو لعمل غامض يُقصد به شيء في المستقبل ، فيجب أن تفسّر آية آل عمران بذلك ، ولا يجوز أن يُحمل التأويل فيها في المعنى الذي اصطلح عليه قدماء المفسّرين ، وهو جعله بمعنى التفسير كما يقول ابن جرير الطبري ، وعلى ما اصطلح عليه متأخّروهم من جعل التأويل عبارة عن نقل الكلام عن وضعه إلى ما يحتاج في
إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ » « 2 » .
وقال في تفسير الميزان : « إنّ الحقّ في تفسير التأويل أنّه الحقيقة الواقعيّة
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 18 ، ص 83 .
( 2 ) تفسير القرآن العظيم المعروف بتفسير المنار ، تأليف : الشيخ محمد رشيد رضا ، وهو مجموعة الدروس التي أخذها عن أستاذه الشيخ محمّد عبده ، تعليق وتصحيح : سمير مصطفى رباب ، دار إحياء التراث العربي ، لبنان ، الطبعة الأولى 1423 ه - : ج 3 ، ص 153 . .