الطريق الثاني : التعلّم الربّاني ، وهو ما يطلق عليه بالعلم اللدنيّ ، وقد أشار جملة من المحقّقين إلى هذه الحقيقة .
قال الغزالي : « اعلم أنّ العلم يحصل من طريقين :
أحدهما : التعلّم الإنساني .
والثاني : التعلّم الربّاني . ويمكن من خلال إلقاء الوحي .
توضيحه : أنّ النفس إذا كملت ذاتها يزول عنها دنس الطبيعة ودرن الحرص والآمال الفانية ، وتُقبِل بوجهها على بارئها ومنشئها ، وتتمسّك بجود مبدعها وتعتمد على إفادته وفيض نوره ، والله تعالى بحسن عنايته يُقبل على تلك النفس إقبالًا كليّاً ، وينظر إليها نظراً إلهيّاً ويتّخذ منها لوحاً ، ومن النفس الكلّي قلماً وينقش فيها جميع علومه ، ويصير العقل الكلّي كالمعلِّم ، والنفس القدسيّة كالمتعلِّم ، فيحصل جميع العلوم لتلك النفس وينتقش فيها جميع الصور من غير تعلّم وتفكّر ، ومصداق هذا قوله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وآله : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ النساء : 113 » « 1 » .
وقد أشار النصّ القرآني إلى الطريق الثاني من خلال قوله تعالى : فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً الكهف : 65 .
والحقيقة أنّ العلم الحاصل للإنسان تارةً تتوسّط فيه الأسباب المتعارفة كالحسّ والفكر ، وهذا هو العلم الاكتسابي ، وأخرى لا يكون كذلك فلا تتوسّط هذه الآليّات لتحصيله ، وهو المصطلح عليه بالعلم الوهبي واللدنّي .
وهذا العلم اللدنّي هو الذي يصطلح عليه في النصوص القرآنية والروائية بالعلم الإرثي والوراثي أيضاً ، كما أشار إليه السيّد حيدر الآملي
هامش
( 1 ) مجموعة رسائل الغزالي ، الإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي ، الرسائل اللدنية ، دار الكتب العلمية بيروت : ج 3 ، ص 69 . .