ونحن نقول : كلامه من حيث إنّه يُثبت صحيح ، أمّا من حيث إنّه يعارض فلا نسلّم ؛ لأنّه : من قال : أنّ الخلفاء الراشدين المذكورين في الحديث هم الذين كانوا في الخلافة الأولى ؟ وإليك التفصيل :
لقد ذكرنا في الفصل الأوّل رواياتٍ صحيحة السند بلفظ خليفتين أو الخليفتين ، ذكرها ابن أبي شيبة في المسند والمصنّف ، وكذا أحمد في المسند وفضائل الصحابة ، وابن أبي عاصم في السنّة ، والطبراني في كبيره ، والهيثمي في زوائده ، والسخاوي في ارتقاء الغرف ، والسيوطي في الجامع الصغير ، والسمهودي في جواهر العقدين ، والآلوسي في تفسيره ، والألباني في صحيح الجامع الصغير ، ومصطفى العدوي في الصحيح المسند .
ولفظ خليفتين صريح بالدلالة المطابقيّة « 1 » على أنّ النبيّ ( ص ) قد ترك من بعده خليفة على الأمّة ، وأيّ فهم خلاف ذلك فهو تأويل اقتضاه واقع الحال الذي كان في الخلافة الأولى .
ولا أدري أيّ لفظ يقوله رسول الله ( ص ) لينصّب به عليّاً خليفة من بعده ؟ ( واسْتَخْلفه : جعله خليفة . والخَلِيفةُ : الذي يُسْتخْلَفُ ممّن قبله ) « 2 » أليس رسول الله ( ص ) في هذا النصّ الصحيح قد استخلف العترة على الأمّة ؟ هذا الفهم البسيط الأوّلي الذي لا تعسّف فيه ولا تكلّف .
نعم يأتي التكلّف من لوازم الإحراج الذي يقع فيه الآخر ، ونقع في التكلّف لضرورة الدفاع عن التاريخ « 3 » ، ما ذنبنا وقد وجدنا أحاديث كهذه
هامش
( 1 ) دلالة اللفظ على تمام ما وضع له مطابقة ( إرشاد الفحول ، للشوكاني : ص 17 .
( 2 ) لسان العرب : ج 9 ص 83 .
( 3 ) وفي ختام القول عن فقه الحديث أذكر هنا ما ذهب إليه بعض المسلمين من : أنّ الحديث يدلّ على إمامة أفراد معيّنين من أهل البيت ( عليهم السلام ) ، تجب طاعتهم والأخذ عنهم ، وأنّ أوّل هؤلاء عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، وأنّه هو وصيّ رسول الله ( ص ) . وهذا القول جدّ خطير ، فإنّه يؤدّي إلى اتّهام الصحابة الكرام ، خير أمّة أخرجت للناس ، بأنّهم خالفوا وصيّة رسول الله ( ص ) ، وإلى عدم شرعيّة خلافة الخلفاء الراشدين الثلاثة - رضي الله تعالى عنهم - وإلى هدم أركان رئيسة في الإسلام ( السالوس ) .