ثالثاً : إنّ الدعاء بالتطهير أو بأيّ أمرٍ حاصل ، يمكن تفسيره بأحد وجهين :
1 . إنّ حصول الشيء عند الإنسان لا يعني الاستغناء عن الله تعالى في دوامه واستمراريّته ، ولا يعني أيضاً إمكانيّة الخروج عن قدرته تعالى فيما لو أراد سبحانه إزالته أو تغييره ، بل الإنسان - أيّ إنسان - محتاج في كلّ لحظة من لحظات وجوده إلى فيض الله تعالى ولطفه ، سواء في أصل وجوده وبقائه ، أم في توابع الوجود من العلم والرزق والقدرة وغيرها ، وقد جعل الله تعالى لنفسه المشيئة في كلّ الأمور ؛ قال تعالى : وَمَا تَشَاءُونَ إلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( التكوير : 29 ) ، ومن ثمّ يمكن أن يكون دعاء الرسول الأكرم ( ص ) في تطهير أهل بيته ( عليهم السلام ) طلباً من الله تعالى لإدامة هذا الأمر الحاصل ، واستمراريّته .
وهذا من الأدب الذي أدّب الله سبحانه به أنبياءه وأصفياءه ( عليهم السلام ) ، فهم لا يرون لأنفسهم أيّ استقلال فيما أوتوا ، ولا يعتمدون على ما عندهم من قدرة ، بل يجدون أنفسهم في فقر دائم وحاجة مستمرّة إلى الله تعالى وفيضه ولطفه ؛ قال تعالى : ولَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ ( الكهف : 23 - 24 ) .
قال الطباطبائي : والذي يراه القرآن في تعليمه الإلهي : أنّ ما في الوجود من شيء ذاتاً كان أو فعلًا وأثراً ، فإنّما هو مملوك لله وحده ، له أن يفعل فيه ما يشاء ، ويحكم فيه ما يريد ، لا معقّب لحكمه ، وليس لغيره أن يملك شيئاً إلّا ما ملّكه الله تعالى منه ، وأقدره عليه ، وهو المالك لما ملّكه ، والقادر على ما عليه أقدره . . . إلى أن يقول : فعلى الإنسان العارف بمقام ربّه ، المسلِّم له ، أن لا يرى نفسه سبباً مستقلّا لفعله ، مستغنياً فيه عن غيره ، قادراً عليه بإقداره ، وإنّ القوّة لله جميعاً ، وإذا عزم على فعل أن يعزم متوكّلًا على الله تعالى . . . « 1 » .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 13 ص 270 .