وقال تعالى حكاية عن يوسف الصدّيق ( ع ) : وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( يوسف : 33 ) .
قال الطباطبائي : إنّ تلك القوّة القدسيّة التي استعصم بها يوسف ( ع ) ، كانت كأمر تدريجيّ يفيض عليه آناً بعد آن من جانب الله سبحانه ، وليست بالأمر الدفعيّ المفروغ عنه ، وإلّا لانقطعت الحاجة إليه تعالى ، ولذا عبّر عنه بقوله : وَإلّا تَصْرِفْ عَنِّي ، ولم يقل : ( وإن لم تصرف عنّي ) ، وإن كانت الجملة الشرطيّة منسلخة الزمان ، لكن في الهيئة إشارات ، ولذلك أيضاً قال تعالى : فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَ ( يوسف : 34 ) ، فنسب دفع الشرّ عنه إلى استجابة وصرف جديد « 1 » .
2 . تقدّم فيما سبق أنّ المقامات السامية التي بلغها الصفوة من العباد ليست كلّها بدرجة واحدة . فالأنبياء يتفاضلون فيما بينهم ، وتتفاوت درجاتهم ومراتبهم ؛ قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ ورَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ( البقرة : 253 ) ، ولم يكن هذا التفاضل جزافاً ومن دون ضوابط ، ولا أنّه اعتباريٌّ عارٍ من الحقيقة ، بل هو حقيقيّ ناشئ من أمور حقيقيّة كامنة في نفوس هؤلاء البررة ( عليهم السلام ) ، ومن ثمّ يمكن أن يكون دعاء رسول الله ( ص ) فيما نحن فيه من أجل أن يرتفع هؤلاء الأشخاص بمراتب القدس والطهارة ، ويصلوا بذلك حيث القرب الإلهي ، في أشرف محلّ المكرّمين ، وأعلى منازك المقرّبين ، وأرفع درجات المرسلين ، حيث لا يلحقه لاحقٌ ، ولا يسبقه سابقٌ ، ولا يطمع في إدراكه طامعٌ « 2 » ، فجاءت آية التطهير معلنةً هذا المعنى ، وذلك من خلال حصر إرادة الله تعالى التي لا خلف فيها ، بإذهاب
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : ج 11 ص 154 .
( 2 ) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 613 .