تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في فقه عقد البيع — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
إلى الغير ، بالبيع والهبة أو غيرها من النواقل الأخرى . فمثل مفهوم الملكيّة لا تحقّق له في الخارج ، بل هو أمر اعتباري يعتبره المشرّع الشرعي أو العقلائي ؛ لترتيب بعض الآثار عليه ، ومن هذه الأمور الاعتباريّة : مفهوم الحقّ ، فقد تُعتبر بعض الحقوق لبعض الأشخاص ، فيقال : للبائع حقّ الخيار في البيع ، وللشريك حقّ الشفعة في حصّة شريكه ، وللمرتهن حقّ استيفاء دينه من العين المرهونة ، وغيرها من الحقوق . ومن الواضح : أنّ العرف يميّز بين اعتبار الحقّ واعتبار الملك ؛ إذ هو بأدنى التفات - يفرِّق بين كون الأمة مملوكة لسيّدها ، وبين كون الزوج مالكاً لحقّ الاستمتاع بزوجته ، فيطلق على الأوّل اسم الملك ، وعلى الثاني اسم الحقّ ، وإن اتّحد هذان المفهومان في بعض الآثار ؛ إذ يثبت بالتالي لكلّ من المالك والزوج جواز الاستمتاع بالأمة والزوجة . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى : فإنّ هناك فرقاً بين مفهومي الحكم الشرعي والحقّ أيضاً ؛ إذ لا شكّ أنّ هناك بوناً واضحاً بين حكم الشارع بجواز رجوع الواهب عن هبته ، وبين ثبوت حقّ الخيار للمتبايعين في البيع ، وبين جواز قتل الكافر الحربي في ساحة الحرب ، وبين جواز الاقتصاص من الجاني ، فحقّ الرجوع في الهبة لا يسقط ، وإن أسقطه الواهب فله أن يرجع مرّة أخرى ، وجواز قتل الكافر الحربي - في ساحة القتال - لا يسقط إذا ما أسقطه الشخص عن نفسه ؛ إذ يبقى هذا الحكم نافذاً له ولغيره ، بخلاف حقّ الخيار والقصاص ، فإنّهما يسقطان بإسقاط صاحب الحقّ لهما ، فمن أسقط حقّ القصاص لا يصحّ له أن يرجع مرّة أخرى ويقتصّ من الجاني . من هنا : فقد طرح البحث بين الفقهاء في بيان حقيقة الحقّ ، وفرقه عن كلّ من الحكم والملك ، وبيان أقسامه ، وألّفت في ذلك العديد من الرسائل