المعاد جسماني وروحاني
لقد تقدّم أنّ المحققين من أكابر الحكماء ومشايخ العرفاء وأعاظم المتكلّمين من الإمامية وغيرهم ذهبوا إلى أنّ للإنسان معادين جسماني وآخر روحاني ، وهو الحقّ الصراح ؛ « لأنّ الحقّ أن شيئية الشيء بصورته وصورة الإنسان اثنتان : إحداهما صورته الباطنة ؛ أعني ما به الشيء بالفعل وهي النفس ، وثانيتهما صورته الظاهرة ، وكلتاهما باقيتان في الآخرة وهذيته محفوظة . . » « 1 » .
فكما أنّ الناس متفاوتون في دنياهم فهم كذلك في أخراهم ، فالناس في الدنيا
ما بين مستغرق بالصور الدنيوية الداثرة واللذات العاجلة والغايات الوهمية الفانية ، وما بين من غلبَ على تفكيره ما في الجنّة من لذّات آجلة باقية كنكاح الحور وسكنى القصور ، وما بين مستغرق يرجو النظر إلى كرامة الله وشهود جماله وجلاله ، فإذا كان الناس متفاوتين هذا التفاوت في الدنيا - وهو واضح - فلا يعقل أن ينالوا نفس الدرجة من الجزاء الأخروي ، فالصنف الأوّل من الناس يكون مصيره الحسرة والندامة ، والنكال والوبال ؛ وذلك لأمرين : « أحدهما من جهة انفصاله مما يؤنسه من اللذات العاجلة والنعم الداثرة ، وثانيهما من جهة حرمانه من اللذات الآجلة والنعم الباقية مما يخصّ بالمقرّبين وأصحاب اليمين » « 2 » .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه .
( 2 ) درر الفوائد ج 2 ، ص 435 .