الإمكان أبدع ممّا هو كائن . وقد خلق الإنسان في هذا العالم حراً مختاراً يملك إرادة الفعل الإنسانى ، ثمَّ رعته السماء بهدايات ثلاث تحتضنه من دون أن تلفه في شباك الجبر وإلغاء الإرادة والاختيار حتى فيما يتعلّق بالهداية الثالثة التي لا تتخلف .
أستطيع أن أقرّب المطلب من خلال مثال . افترض أنك تريد أن تصل إلى الهدف ( أ ) وأنت حر تملك إرادة الفعل وعدمه . عندئذ تكون بين أمرين ؛ إمّا أن يدلّك أحد على الطريق ، وهذه هي إراءة الطريق التي هي وظيفة الأنبياء ( الهداية التشريعية ) . وإمّا أن لا يكتفى الطرف
الآخر بإراءة الطريق وإنّما يأخذ بيدك للوصول إلى الهدف . من المؤكد أنه عندما يأخذ بيدك فذلك لا يسقط عنك اختيارك ؛ لأنك أعطيت يدك بملء إرادتك وأنت حر مختار في أن تنفلت وتسحب يدك ولا تسير معه إلى آخر الطريق .
على هذا الأساس المتمثّل باختيارية الفعل الإنسانى ترى الإنسان يهوى ويتسافل إذا أشرك بالله ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) « 1 » . وهذا الخطاب موجه إلى سيد المرسلين ؛ إلى النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله مع أنه اختار لنفسه أن لا يكون إلّا معطياً لله . ومع ذلك يخاطبه القرآن بأنك مختار وأن لك أن تترك هذا المقام .
فصحيح إذن أن الهداية الثالثة لا تتخلف عن المراد بمعنى أنها لا تخطئ الهدف ؛ لأنها هداية تكوينية لا يمكن أن يتخلف المراد منها ، إلّا أن ذلك لا يعنى الجبر ، بل يعنى أنها لا تخطئ الهدف أبداً ، بل
هامش
( 1 ) الزمر : 65 .