وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( البقرة : 23 ) .
أعلن النبي صلى الله عليه وآله ذلك وكرّره على مجتمع لم يعرف صناعة كما عرف صناعة الكلام ، ولم يتقن فنّاً كما أتقن فنّ الحديث ، ولم يتعوّد على شيء كما تعوّد على مجابهة التحدّي والتغنّي بالإمجاد ، ولم يحرص على أمر كما حرص على إطفاء نور الرسالة الجديدة وتطويقها ، ومع ذلك كلّه لم يشأ هذا المجتمع الذي واجه تلك التحدّيات الكبيرة أن يجرّب نفسه ولم يحاول أن يعارض القرآن بشيء إيماناً منه بأنّ الأدب القرآني فوق قدرته اللغوية والفنّية .
والطريف أن الذي كان يحمل إليهم هذا الزاد الأدبي الجديد على حياتهم إنسانٌ مكث فيهم أربعين سنة فلم يعهدوا له مشاركة في حلبة أدبية ولا تميّزاً في أيّ فن
من فنون القول .
كان هذا بعض خصائص الرسالة التي أعلنها النبي صلى الله عليه وآله على العالم .
الخطوة الثالثة : هنا يأتي دور الخطوة الثالثة لتؤكّد - على أساس الاستقراء العلمي في تاريخ المجتمعات - أن هذه الرسالة بتلك الخصائص التي درسناها في الخطوة الثالثة هي أكبر بدرجة هائلة من الظروف والعوامل التي مرّ استعراضها في الخطوة الأولى ، فإن تاريخ المجتمعات وإن كان قد شهد في حالات كثيرة إنساناً يبرز على صعيد مجتمعه فيقوده ويسير به خطوة إلى الأمام ، غير أننا هنا لا نواجه حالة من تلك الحالات ؛ لوجود فوارق كبيرة .
* فمن ناحية نواجه هنا طفرة هائلة وتطوّراً شاملًا في كلّ جوانب الحياة وانقلاباً في القيم والمفاهيم التي تتّصل بمختلف مجالات الحياة
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة — صفحة 440
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٤٠