الفصل الأوّل : تلويح استيناري
لعلّك إنْ كنتَ أهلًا لتلقّي الأسرارِ الإلهيّةِ والمعارفِ الحقّةِ لتيقّنتَ وتحقّقَ لك أنَّ كلَّ قوّةٍ وكمالٍ وهيئةٍ وجمالٍ توجدُ في هذا العالمِ الأدنى فإنَّها بالحقيقةِ ظلالٌ وتمثالاتُ لما في العالمِ الأعلى ، وإنّما تنزَّلتْ وتكدَّرتْ وتجرّمتْ « 1 » بعدما كانت نقيّةً صافيةً مقدّسةً عن النّقصِ والشّيْنِ ، مجرّدةً عَنِ الكدورةِ والرَّينِ ، متعاليةً عن الآفةِ والقصورِ والخللِ والفتورِ والهلاكِ والدّثورِ ، بل جميعُ صورِ الكائناتِ وذواتِ المبدعاتِ آثارٌ وأنوارٌ للوجودِ الحقيقيِّ والنّورِ القيّوميِّ وهو منبعُ الجمالِ المطلقِ والجلالِ الأتَمِّ الأليقِ الذي صورُ المعاشيقُ وحسنُ الموجوداتِ الرّوحانيّةِ والجسمانيّةِ قطرةٌ بالنسبة إلى بحرِ ذلك الجمالِ ، وذرّةٌ بالقياس إلى شمسِ تلكَ العظمةِ والجلالِ ، ولولا أنوارهُ وأضواؤُه في صورِ الموجوداتِ الظاهريّةِ لم يمكنِ الوصولُ إلى نورِ الأنوارِ الذي هو الوجودُ المطلقُ الإلهي ، فإنَّ النّفسَ عند افتتانِها بالمحبوبِ المجازيِّ الذي هو من وجهٍ حقيقيٌّ تتوجّهُ إلى المحبوبِ الحقيقيِّ المطلقِ الذي هو الصمدُ لكلِّ شيءٍ والملجأُ لكلِّ حيٍّ ، وتتولّى جنابَه الكريمَ منبعَ الأنوارِ ومعدنَ الآثارِ ، فيحصلُ لها الوصولُ إلى الحضرةِ الإلهيّةِ ويتنوّرُ باطنُها بنورِه ، فتدرِكُ الأمورَ الكلّيّةَ ، والصّورَ المفارقةَ العقليّةَ ؛ لصيرورتِها حينئذ عقلًا مدركاً للكلّيات .
هامش
( 1 ) صارت جرماً .