الفصل الأول : إجمال
قد وردَ في كلامِ القدماءِ وشيعتِهم الحكمُ بوجودِ عالَمٍ عقليٍّ مثاليٍّ يحذو حذوَ العالمِ الحسِّيِّ في جميع أنواعهِ الجوهريّةِ والعرضيَّة .
فمنهم من حملَه على العالَمِ المثاليِّ الشّبحيِّ المقداريِّ .
ومنهم من قال : إنَّه إشارةٌ إلى الصُّور التي في علمِ اللهِ القائمةِ بذاتِه تعالى ، كما اشتهرَ عن المشّائينَ ، وإنَّ قيامَ الصورِ بنفسِها على ما نُقل عَنِ القدماءِ عبارةٌ عَنْ قيامِها بذاتِ باريها عزَّ اسمُه الذي هو أقربُ إليها وأقومُ في تحصُّلها من نفسِها ؛ لأنّ نسبتَها إلى ذاتِها بالإمكانِ ، ونسبتَها إلى قيّومِها بالوجوب .
ومنهم من قالَ : إنّه إشارةٌ إلى ربِّ النّوعِ وصاحبِ الطّلِّسْمِ ، فإنّ لكلِّ نوعٍ جرميٍّ وطلّسمٍ برزخيٍّ عقلًا يقوّمُه ، ونوراً يدبِّرُه ، وليس كلّيّتُها كما وقعَ في كلامِهم باعتبارِ صدقِها على كثيرينَ ؛ فإنّها غيرُ صادقةٍ على جزئيّاتِ الأجرامِ ، وأشخاصِ البرازخِ ، لكونِها مفارقاتٍ نوريّةً وعقولًا قادسةً ، وإنّما كلّيّتُها باعتبارِ استواءِ نسبةِ فيضِها إلى جميعِ أشخاصِ طلّسمِها النّوعيِّ .
ومنهم مَن ذهبَ إلى أنّه إشارةٌ إلى هذهِ الصورِ الهيولانيّةِ في هذا العالمِ باعتبارِ حضورِها وظهورِها عندَ المبدأِ الأوّلِ ، ومثولِها بينَ يديْهِ وعدمِ خفائِها وغيبوبتِها بذواتِها عن علمِه ، إذْ هيَ بهذَا الاعتبارِ كأنّها مجرَّدةٌ