تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
بدون رابطة سببية تحتّم اقتران إحداهما بالأخرى . والصدفة المطلقة مستحيلة من وجهة النظر الفلسفية الأرسطية أو أيّ وجهة نظر فلسفية أخرى تؤمن بمبدأ السببية بوصفه مبدأ عقلياً قبلياً ، لأنّ الصدفة المطلقة تتعارض مع مبدأ السببيّة . فمن الطبيعي لكلّ من يؤمن بمبدأ السببية أن يرفض الصدفة المطلقة . وأما الصدفة النسبية فليس فيها استحالة من وجهة نظر فلسفية لأنها لا تتعارض مع مبدأ السببية ، فإنّ الاقتران بين انجماد ماء وغليان ماء آخر صدفة ، لا ينفي نشوء كلّ من الانجماد والغليان عن سبب خاصّ ، هو انخفاض درجة الحرارة إلى الصفر في الأول وارتفاعها إلى مئة في الثاني . فهناك في هذا المثال ثلاثة اقترانات ، واحد منها يتمثّل فيه الصدفة النسبية وهو اقتران انجماد الماء بغليان الماء الآخر ، واثنان منها لا يعبّران عن صدفة لأنهما يقومان على أساس رابطة السببية ، وهما اقتران الانجماد بانخفاض الحرارة من ناحية واقتران الغليان بارتفاعها من ناحية أخرى . وهكذا يتبيّن أنّ الاقتران بين حادثتين قد يكون مجرّد صدفة ، ونطلق عليها اسم الصدفة النسبية ، وقد يكون ناتجاً عن رابطة سببية بين الحادثتين . وهناك فارق ملحوظ في تجاربنا جميعاً بين هذين القسمين من الاقتران . فالاقتران الناتج عن رابطة سببية مطّرد دائماً ، فمتى حدث انخفاض في درجة الحرارة إلى الصفر اقترن ذلك بالانجماد . وأما الاقتران الذي يتمثّل في الصدفة النسبية فهو قد يحدث ولكنّه لا يطّرد ولا يتكرّر باستمرار . فأنت قد يتّفق لك أن تجد صديقك أحياناً حين تفتح الباب وتهمّ بالخروج من بيتك ، ولكن هذا لا يطّرد في كلّ مرّة تفتح فيها الباب وتخرج من البيت على سبيل الصدفة ، ولو اطّرد ذلك لاستطعت أن تستنتج أنّ
المثل الإلهية (بحوث تحليلية في نظرية افلاطون) — صفحة 130 | السيد كمال الحيدري / عبد الله الأسعد