الله سبحانه على وفق قانون الحكمة والمصلحة أن يوجد الأشياء بالأسباب ، كإيجاد زيد من الآباء والموادّ والعناصر وإن كان قادراً على إيجاده من كتم العدم دفعة بدون الأسباب .
لكن مع هذا فإنّ للإنسان شعوراً باطنيّاً فطريّاً أنّ كلّ ما يتوجّه إليه من الأسباب والوسائط التي يستعين بها في إنجاز حوائجه ، يمكن أن يتخلّف عنه أثره ، وأنّ هناك سبباً قاهراً لا يتخلّف عنه فعله ، وهو المبدأ الذي يبتدئ عنه كلّ أمر والركن الذي يعتمد عليه في تحقّق كلّ حاجة ووجودها ، غير هذه الأسباب الظاهريّة ، ولازم ذلك أن لا يركن الركون التامّ إلى شئ من هذه الأسباب والوسائط بحيث ينقطع عن السبب الحقيقي ويعتصم بذلك السبب
الظاهري .
ولعلّ هذا هو نكتة حصر الاستعانة به تعالى ، فإنّ هذه الوسائط والوسائل وإن كانت مجعولة من قبله تعالى للوصول إلى تحقيق النتائج
المترتّبة عليها ، إلّا أنّها لا تعمل ولا تؤثّر إلّا بإذنه تعالى ، لأنّه الخالق المالك لها ، لذا قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « ( وإياك نستعين )
أفضل ما طلب به العباد حوائجهم
» « 1 » .
فتحصّل أنّ الحصر في قوله : ( وإياك نستعين ) كالحصر في (
إياك نعبد
) لأنّ الغنىّ المطلق من كلّ جهة لابدّ وأن تنحصر الاستعانة به ، وأنّ الاستعانة بما سواه إن رجعت إليه تكون الاستعانة به ، وإلّا تكون شركاً من هذه الجهة . وبهذا يتبيّن أنّ لا منافاة بين التوحيد الأفعالى وبين الأخذ بالأسباب وإقامة سنن الله تعالى فيها ، بل الكمال والأدب في الجمع بينهما . وهى عبارة أخرى عن الاعتقاد ب « لا حول ولا قوّة إلّا بالله » والعمل بمقتضاه في جميع الأحوال .
هامش
( 1 ) تفسير نور الثقلين ، مصدر سابق : ج 1 ص 20 .