حتّى يقع المطلوب الأصلي في القلب ويصير ملكة في الأرواح وركيزة في الأذهان .
الخامسة : سبب إتيان ضمير الجمع في « نعبد » و « نستعين »
ذكرت نكات عديدة لتوجيه ذلك ، منها :
إنّ العبوديّة صفة مشتركة في جميع ما سواه كما في قوله تعالى : ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِى الرَّحْمنِ عَبْداً ) ( مريم : 93 ) فلا وجه للانفراد والاختصاص . ونظير ذلك ما ورد في قوله تعالى : ( ثُمَّ
اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) ( فصّلت : 11 ) حيث جاء التعبير بلفظ الجمع دون أن تقولا : « أتينا طائعَين » ليطابق
الجواب السؤال ، فلعلّه للإشارة إلى أنّهما غير متميّزتين من سائر مخلوقاته تعالى المطيعة لأمره ، فأجابتا عن لسان الجميع .
أو لأجل التشرّف بضمّ عبادته إلى عبادة غيره من الصالحين ، واستعطافاً بذكرهم مع نفسه ، واحترازاً عن الدعوى الكاذبة بطريق تغليب عبادات المخلصين على عبادته في دعوى الإخلاص ، فيكون صادقاً في تلك الدعوى ، لأجل صدقهم .
فكأنّ العابد أراد أن يحتال لقبول عبادته ويتوسّل إلى نجاح حاجته ، فأدرج عبادته الناقصة في عبادة غيره من الأولياء والمقرّبين ، وعرض الجميع على حضرة ذي الجود والإفضال .
أو لعلّه لأجل التحريض إلى حفظ وحدة المجتمع الذين يعبدونه تعالى ويستعينون به ، فكما أنّهم مجتمعون في وحدة المعبود والعبادة والمستعان به ، لابدّ أن يكونوا كذلك في جميع شؤونهم كما دلّت عليه آيات كثيرة .