فإنّه تارةً يُتوسّل ويستعان بها باعتبار أنّها من دون الله تعالى ،
وأنّها مستقلّة في التأثير ، كما تعتقد بعض الاتّجاهات التفويضيّة ، فلا ريب في أنّ ذلك ينافي التوحيد الأفعالى وأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا الله ، فيكون منافياً للحصر المستفاد من قوله : ( وإياك نستعين ) بلا فرق بين أن يكون ذلك في عظائم الأمور أو صغائرها ، وبين أن يكون في العلّة التامّة أو الناقصة .
في عدّة الداعي عن النبىّ صلّى الله عليه وآله قال : «
قال الله : ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دونى إلّا قطعت أسباب السماوات وأسباب الأرض من دونه
» « 1 » .
وأخرى يُتوسّل ويستعان بهذه الأسباب لا باعتبار أنّها وسائط مستقلّة ومؤثّرة من دون الله تعالى ، بل بما هي أسباب وجوديّة جعلها الله تعالى وسائل
متوسّطة بين الأشياء والنتائج المترتّبة عليها ؛ قال تعالى : ( هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) ( الفتح : 4 ) ، وسياق الآية يشهد أنّ المراد بجنود السماوات والأرض الأسباب الموجودة في العالم ممّا يُرى من الخلق ولا يرى ، فهي وسائط متخلّلة بينه وبين ما يريده من شئ تطيعه ولا تعصيه .
ومن الواضح أنّ الاستعانة بهذه الأسباب المجعولة ليس منافياً لحصر الاستعانة به تعالى فقط ، بل هي إطاعة له تعالى في ما أمر تكويناً لا تشريعاً ، وهذا ما أكّدته الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه قال :
« أبى الله أن يُجرى الأشياء إلّا بأسباب ، فجعل لكلّ شئ سبباً ، وجعل لكلّ سبب شرحاً ، وجعل لكلّ شرح علماً ، وجعل لكلّ علم باباً ناطقاً ، عرفه من عرفه وجهله من جهله . . .
» « 2 » أي : جرت سنّة
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : باب التوكل والتفويض والرضا والتسليم ، الحديث 41 ، ج 68 ، ص 143 .
( 2 ) أصول الكافي : كتاب الحجّة ، باب معرفة الإمام والردّ إليه ، الحديث 7 ، ج 1 ص 183 .