الأمّة : ( فاذكروني أذكركم ) ( البقرة : 152 ) ، وبين قوله لبنى إسرائيل : ( اذكروا عمتي التي أنعمت عليكم ) ( البقرة : 40 ) .
انحصار الاستعانة بالله
هنا تساؤل مؤدّاه : كيف حصرت الآية الاستعانة به تعالى مع أنّ الإنسان يستعين في حياته الاعتياديّة بالآخرين من الناس والموجودات الأخرى ، وبدون ذلك لا يمكن أن تسير حياته الاعتياديّة . ويؤكّد هذا الإشكال أنّ الاستعانة هنا جاءت مقارنة للعبادة في قوله تعالى : (
إياك نعبد وإياك نستعين
) والعبادة كما عرفنا مختصّة به تعالى ، وأمّا الاستعانة بمعنى « طلب العون » فيمكن أن تصحّ شرعاً حتّى من غير
الله تعالى ، إذ يستعين الإنسان في حياته بمختلف الوسائل .
وهذا هو المعلوم بالضرورة من سيرة النبىّ صلّى الله عليه وآله وأصحابه والأئمّة والمسلمين ، أنّهم كانوا يستعينون في غالب أمورهم
المباحة بالآلات
والدابّة والخادم والزوجة والصاحب والرسل والأُجراء وغيرهم ، وكذلك ما في قوله تعالى : (
واستعينوا بالصبر والصلوه
) ( البقرة : 45 ) .
وفى قوله تعالى :
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) ( النساء : 64 ) .
فقد لامَهم الله على عدم مجيئهم للاستعانة على المغفرة ، باستغفار الرسول ، وهذا يكفى في الحجّة والدلالة على أنّ الإعانة ليست بجميع أقسامها مُنحصرة بالله ، وعلى أنّه لا يلزمنا أن نُقصر استعانتنا بقول مطلق على الله تعالى .
والحاصل أنّ الآية مورد البحث حصرت الاستعانة بالله تعالى وأمرت أن لا نستعين بغيره أبداً ، لكن آيات أُخرى أمرت بالتعاون ، حيث قال تعالى : ( وتعاونوا على البر والتقوى ) ( المائدة : 2 ) فكيف نوفّق بينهما ؟