وقد أُجيب عن ذلك بوجوه عديدة :
منها : أنّ الاستعانة على أنحاء :
فتارةً تكون لسدّ باب من أبواب عدم الشئ ، فيتوسّل الإنسان
بسبب من أسبابه لتحقيقه ، وهذا هو ما يتمّ في حياة الإنسان الاعتياديّة عندما يستعين بمختلف الوسائل والموجودات ليتوسّل إلى تحقيق وجود الشئ ، فيتمكّن بذلك من بعض أسبابه التي هي في الحقيقة
ترفع وتسدّ بعض أبواب انعدامه .
وتارةً أخرى يُراد بالاستعانة ، الاستعانة بكلّ الأمور والأسباب التي تدخل في علّة وجود الشئ بحيث يكون الأمر سدّاً لجميع أبواب العدم ، فيتحقّق وجود الشئ لتحقّق جميع أجزاء وأسباب وجوده ، ويعبّر عن هذا ب « التوفيق » . وهذا الصنف من الاستعانة هو المنحصر به تبارك وتعالى ، لعجز غيره عن التأثير بكلّ الأمور والأسباب ، غيبيّةً كانت أو غير غيبيّة ، ويكون المقصود حينئذ من قوله :
( وإياك نستعين
) : وإيّاك نطلب التوفيق .
ومنها : أنّ استعانات البشر قولًا وعملًا على نحوين :
النحو الأوّل : هو الاستعانة بالوسائل المجعولة من الله لنيل المقصود التي هي وما فيها من التسبيب من جعْل الله وخلقه .
النحو الثاني : الاستعانة بالإله بما هو إله مُعين وقدرته الذاتيّة المطلقة الفائقة ؛ ولا ريب في أنّ النحو الثاني من الاستعانة هو المتيقّن في قصره على الله ، لأنّ الاستعانة بهذا النحو إذا كانت بغير الله ، كانت تأليهاً لغير الله وإشراكاً بالله .
وممّا ذكرنا من الآية والسيرة واقتران ( إياك نعبد وإياك نستعين ) في سياق توحيد الله وتمجيده بالمجد الإلهى ، تقوم الحجّة وتتّضح الدلالة على أنّ هذا النحو من الاستعانة هو المقصود دون النحو الأوّل .
ومنها : أنّه لابدّ من التمييز بين نوعين من الأسباب والوسائط :
اللباب في تفسير الكتاب — صفحة 324
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٢٤