فشىءٌ منه في الحقيقة لا يُحجب عنه تعالى ، ولا النظر إليه يجامع الغفلة عنه تعالى ، فله تعالى الحضور المطلق أي حاضر مع كلّ شئ ، قال سبحانه : ( أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ * أَلَا إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُحِيطٌ ) ( فصّلت : 54 53 ) أي كون ربّك مشهوداً على كلّ شئ ، إذ ما من شئ إلّاوهو فقير مملوك من جميع جهاته إليه ، متعلّق به ، وهو تعالى قائم به قاهرٌ فوقه ، فهو تعالى معلوم لكلّ شئ ، حاضر عند كلّ شئ وإن لم يعرفه بعض الأشياء .
وإذا كان كذلك فحقّ عبادته تعالى أن تكون عن حضور من الجانبين :
أمّا من جانب الربّ عزّ وجلّ ، فأن يُعبد عبادة معبود حاضر ، كما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : «
أن تعبد الله كأنّك تراه
» « 1 » .
وهذا هو الموجب للالتفات المأخوذ في قوله تعالى : ( إياك نعبد )
عن
الغيبة إلى الحضور .
وأمّا من جانب العبد ، فأن يكون عبادته عبادة عبد حاضر من غير أن يغيب في عبادته ، فيكون عبادته صورة فقط من غير معنىً ، وجسداً
من غير روح ؛ كأن يشتغل بنفسه فيكون منافياً لمقام العبوديّة التي لا تلائم الإنّية والاستكبار ، وكأنّ الإتيان بلفظ المتكلّم مع الغير للإيماء إلى هذه النكتة ، فإنّ فيه هضماً للنفس بإلغاء تعيّنها وشخوصها وحدّها المستلزم لنحو من الإنيّة والاستقلال ، بخلاف إدخالها في الجماعة وخلطها بسواد الناس ، فإنّ فيه إمحاء التعيّن وإعفاء الأثر فيؤمن به ذلك .
الثانية : أنّ الله سبحانه بعد أن ذكر يوم الدِّين وهو يوم القيامة التفت إلى الخطاب للإشارة إلى أنّه إذا قامت القيامة على ساق وكان إلى ربّك يومئذ
هامش
( 1 ) رسالة الولاية ، السيّد محمّد حسين الطباطبائي ، مؤسّسة البعثة ، طهران ، 1981 م : ص 18 .