فاللذات الجسمانية التي تسرّك في هذا العالم تظهر في دار الجزاء بصورة تسوءك وتؤذيك ، وتركها وتحمّل مشاقّ العبادات والطاعات والصبر على المصائب والبليّات يسرّك في عالم الآخرة مع كونها مؤذية في هذا العالم .
ثم القائل بهذا المذهب قد يطلق على هذه الصورة اسم الملَك إن كانت من فضائل الأخلاق أو فواضل الأعمال ، واسم الشيطان إن كانت من أضدادها ، وقد يطلق على الأولى اسم الغلمان والحور وأمثالهما وعلى الثانية اسم الحيّات والعقارب وأشباههما ، ولا فرق بين الإطلاقين في المعنى وإنما الاختلاف في الاسم .
وهذا المذهب يرجع إلى القول بتجسّد الأعمال وتجسّمها بصورة مأنوسة مفرّحة أو صورة موحشة معذّبة ، وقد وردت آيات وروايات كثيرة في ذلك :
فمن الآيات ، قوله تعالى : لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( التحريم : 7 ) وقوله : ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ( البقرة : 281 ) حيث قال عزّ وجلّ : مَا كُنْتُمْ ومَا كَسَبَتْ ولم يقل بما كنتم ، وهذا معناه : إنّ ما تجزونه هو نفس ما كنتم تعملون ، أي أن العذاب الذي تعذّبون به هو نفس عملكم السيّئ الذي عملتموه وقد برز لكم اليوم حقيقته . وكذلك قوله تعالى : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( الكهف : 49 ) ومثله قوله عزّوجلّ : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 342
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٤٢