مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ( آل عمران : 30 ) فالحاضر عندهم نفس الأعمال بصورها المناسبة لها لا كتابتها .
ولعمرى لو لم يكن في كتاب الله تعالى إلا قوله : لَقَدْ كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِنْ هذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ( ق : 22 ) لكان فيه كفاية حيث يتبيّن من الآية :
أولًا : إن معرّف يوم القيامة أنه يوم ينكشف فيه غطاء الغفلة عن الإنسان فيشاهد حقيقة الأمر مشاهدة عيان لا علماً فكرياً .
وثانياً : إن ما يشاهده الإنسان يوم القيامة موجود مهيّأ له وهو في الدنيا ، غير أنه في غفلة منه بسبب تعلّق الإنسان وهو في هذه النشأة بالأسباب الظاهرية وركونه إليها ، وخاصّةُ يوم القيامة أنه يوم انكشاف الغطاء ومعاينة ما وراءه ، ومن الواضح أن الغفلة لا تكون إلا عن
معلوم حاضر ، وكشف الغطاء لا يستقيم إلا عن مغطّى موجود ، فلو لم يكن ما يشاهده الإنسان يوم القيامة موجوداً حاضراً من قبل لما كان يصحّ أن يقال للإنسان إن هذه أمور كانت مغفولة لك مستورة عنك ، فهي اليوم مكشوف عنها الغطاء مزالة منها الغفلة .
« لذا خاطبت الآية الإنسان بقوله : لَقَدْ كُنْتَ في الدنيا فِى غَفْلَةٍ أحاطت بك مِنْ هذَا الذي تشاهده وتعاينه وإن كان في الدنيا نصب عينيك لا يغيب ، لكن تعلّقك بذيل الأسباب أذهلك وأغفلك عنه فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ اليوم فَبَصَرُكَ وهو البصيرة وعين القلب الْيَوْمَ وهو يوم القيامة حَدِيدٌ أي نافذ يبصر ما لم يكن يبصره في
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 343
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٤٣