أما الإعطاء فهو مطلق لم يقيَّد
يشىء ، « وقد وعد الله ما يشابه ذلك فريقاً من عباده في الجنة فقال تعالى : لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ( الشورى : 22 ) وقال : لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ( ق : 35 ) فأفاد أن لهم هناك ما هو فوق مشيّتهم ، والمشيّة تتعلق بكلّ ما يخطر ببال الإنسان من السعادة والخير ، فهناك ما لا يخطر على قلب بشر كما قال تعالى : فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ( السجدة : 17 ) فإذا كان هذا قدر ما أعطاه الله لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهو أمر فوق القدر كما عرفت ذلك ، فما يعطيه لرسوله صلى الله عليه وآله في مقام الامتنان أوسع من ذلك وأعظم .
وأما رضى رسول الله صلى الله عليه وآله فمن المعلوم أن هذا الرضا ليس هو الرضا بما قسم الله الذي هو زميل لأمر الله ، فإن الله هو المالك الغنى على الإطلاق وليس للعبد إلا الفقر
والحاجة ، فينبغي أن يرضى بقليل ما يعطيه ربّه وكثيره ، وينبغي أن يرضى بما قضاه الله في حقّه ، سرّه ذلك أو ساءه . فإذا كان هذا هكذا فرسول الله صلى الله عليه وآله أعلم وأعمل ، لا يريد إلا ما يريده الله في حقّه .
لكن هذا الرضا حيث وضع في مقابل الإعطاء يفيد معنىً آخر نظير إغناء الفقير بما يشكو فقده وإرضاء الجائع بإشباعه ، فهو الإرضاء بالإعطاء من غير تحديد ، وهذا أيضاً مما وعد الله ما يشابهه لفريق من عباده ؛ قال عزّ من قائل : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِىَ
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 307
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٠٧