تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
أما الإعطاء فهو مطلق لم يقيَّد يشىء ، « وقد وعد الله ما يشابه ذلك فريقاً من عباده في الجنة فقال تعالى : لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ( الشورى : 22 ) وقال : لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ( ق : 35 ) فأفاد أن لهم هناك ما هو فوق مشيّتهم ، والمشيّة تتعلق بكلّ ما يخطر ببال الإنسان من السعادة والخير ، فهناك ما لا يخطر على قلب بشر كما قال تعالى : فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ( السجدة : 17 ) فإذا كان هذا قدر ما أعطاه الله لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهو أمر فوق القدر كما عرفت ذلك ، فما يعطيه لرسوله صلى الله عليه وآله في مقام الامتنان أوسع من ذلك وأعظم . وأما رضى رسول الله صلى الله عليه وآله فمن المعلوم أن هذا الرضا ليس هو الرضا بما قسم الله الذي هو زميل لأمر الله ، فإن الله هو المالك الغنى على الإطلاق وليس للعبد إلا الفقر والحاجة ، فينبغي أن يرضى بقليل ما يعطيه ربّه وكثيره ، وينبغي أن يرضى بما قضاه الله في حقّه ، سرّه ذلك أو ساءه . فإذا كان هذا هكذا فرسول الله صلى الله عليه وآله أعلم وأعمل ، لا يريد إلا ما يريده الله في حقّه . لكن هذا الرضا حيث وضع في مقابل الإعطاء يفيد معنىً آخر نظير إغناء الفقير بما يشكو فقده وإرضاء الجائع بإشباعه ، فهو الإرضاء بالإعطاء من غير تحديد ، وهذا أيضاً مما وعد الله ما يشابهه لفريق من عباده ؛ قال عزّ من قائل : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِىَ