ثم إنك بعدما عرفت معنى اليأس في الآية تعرف أن « اليوم » في قوله : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ظرف متعلق بقوله : « يئس » وأن التقديم للدلالة على تفخيم أمر اليوم وتعظيم شأنه ؛ لما فيه من خروج الدين من مرحلة القيام بالقيّم الشخصي إلى مرحلة القيام بالقيّم النوعي ، ومن صفة الظهور والحدوث إلى صفة البقاء والدوام .
وأما قوله : فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ فالنهي إرشادىّ لا مولوىّ ، معناه أن لا موجب للخشية بعد يأس الذين كنتم في معرض الخطر من قبلهم ، ومن المعلوم أن الإنسان لا يهمّ بأمر بعد تمام اليأس من الحصول عليه ولا يسعى إلى ما يعلم ضلال سعيه فيه ، فأنتم في أمن من ناحية الكفّار ولا ينبغي لكم مع ذلك الخشية منهم على دينكم فلا تخشوهم واخشونى . ومن هنا يظهر أن المراد بقوله : وَاخْشَوْنِ بمقتضى السياق أن اخشونى فيما كان عليكم أن تخشوهم فيه لولا يأسهم من الدين ونزعه من أيديكم ، وهذا نوع تهديد للمسلمين كما هو ظاهر ولهذا لم نحمل الآية على الامتنان .
ويؤيد ما ذكرنا أن الخشية من الله سبحانه واجب على أىّ تقدير من غير أن يتعلّق بوضع دون وضع وشرط دون شرط ، فلا وجه للإضراب من قوله : فَلَا تَخْشَوْهُمْ إلى قوله وَاخْشَوْنِ لولا أنها خشية خاصّة في مورد خاصّ .
فالآية لمكان قوله فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ لا تخلو عن تهديد وتحذير لأن فيه أمراً بخشية خاصّة دون الخشية العامة التي تجب على المؤمن على كل تقدير وفى جميع الأحوال ، فلننظر في خصوصية هذه الخشية والسبب الموجب لوجوبها والأمر بها ؟
لا إشكال في أن الفقرتين - أعنى قوله : الْيَوْمَ يَئِسَ وقوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى في الآية مرتبطتان مسوقتان لغرض واحد كما عرفت ، فالدين الذي أكمله اليوم والنعمة التي أتمّها اليوم - وهما أمر واحد بحسب الحقيقة - هو الذي كان يطمع فيه الكفّار ويخشاهم فيه المؤمنون ، فأيأسهم الله منه وأكمله وأتمّه ، ونهاهم عن أن يخشوهم فيه ، فالذي
أمرهم بالخشية من نفسه فيه هو ذاك بعينه وهو أن ينزع الله الدين من أيديهم ويسلبهم هذه النعمة الموهوبة .
وقد بيّن الله سبحانه أن لا مسبب لسلب النعمة إلا الكفر بها وهدّد الكفور أشدّ التهديد ؛ قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( الأنفال : 53 ) وقال : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( البقرة : 211 ) وضرب مثلًا كلّيا لنعمه وما يؤول إليه أمر الكفر بها فقال : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ( النحل : 112 ) .
فمحصل الآية يؤذن بأن دين المسلمين في أمن من جهة الكفّار مصون من الخطر المتوجّه من قبلهم وأنه لا يتسرّب إليه شئ من طوارق الفساد والهلاك إلا من قبل المسلمين أنفسهم ، وأن ذلك إنما يكون بكفرهم بهذه النعمة التامّة ورفضهم هذا الدين الكامل المرضىّ ، ويومئذ يسلبهم الله نعمته ويغيّرها إلى النقمة ويذيقهم لباس الجوع والخوف ، وقد فعلوا وفعل .
ومن أراد الوقوف على مبلغ صدق هذه الآية فيما أخبرت به من الغيب ، فعليه أن يتأمل فيما استقرّ عليه حال العالم الإسلامي اليوم ثم يرجع إلى الوراء ليحلّل الحوادث التاريخية حتى يحصل على أصول القضايا وأعراقها .
ولآيات الولاية في القرآن ارتباط تام بما في هذه الآية من التحذير والإيعاد ، ولم يحذّر الله العباد عن نفسه في كتابه إلا في باب الولاية فقال فيها مرة بعد مرة : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ( آلعمران : 28 ، 30 ) .
يمكن مراجعة هذا المبحث تفصيلًا في : تفسير الميزان : ج 5 ص 167 - 182 .
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 239
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٣٩