تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
) . خطر يوماً بعد يوم ، وأن ذلك كان من حقّه أن يحذر منه ويخشاه المؤمنون ، قال تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ( البقرة : 109 ) فقوله : فَلَا تَخْشَوْهُمْ تأمين منه سبحانه للمؤمنين مما كانوا فيه على خطر ومن تسرّبه على خشية . والكفّار لم يكونوا يتربّصون بالمسلمين إلا لدينهم ولم يكن يضيق صدورهم وينصدع قلوبهم إلا من جهة أن الدين يذهب بسؤددهم وشرفهم واسترسالهم في اقتراف كلّ ما تهواه طباعهم وتألفه وتعتاد به نفوسهم ، ويختم على تمتعهم بكلّ ما يشتهون بلا قيد وشرط . فقد كان الدين هو المبغوض عندهم دون أهل الدين إلا من جهة دينهم الحق ، فلم يكن في قصدهم إبادة المسلمين وإخفاء جمعهم بل إطفاء نور الله وتحكيم أركان الشرك المتزلزلة المضطربة به ، وردّ المؤمنين كفاراً كما مرّ في قوله : لَوْ يَرُدُّونَكُمْ . . . كُفَّاراً قال تعالى : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( الصف : 8 - 9 ) ولذلك لم يكن لهم همّ إلا أن يقطعوا هذه الشجرة الطيّبة من أصلها ويهدموا هذا البنيان الرفيع من أسّه بتفتيت المؤمنين وتسرية النفاق في جماعتهم وبثّ الشبهة والخرافات بينهم لإفساد دينهم . وكانت لهم محاولات مختلفة في القضاء على هذا الدين كما أشار إليه القرآن الكريم وجاء في أسباب النزول ، إلا أن آخر ما كانوا يرجونه - بعد فشل كل المحاولات السابقة - أنه سيموت بموت هذا القائم بأمره ولا عقب له ، فإنهم كانوا يرون أنه ملك في صورة النبوة وسلطنة في لباس الدعوة والرسالة ، فلو مات أو قتل لانقطع أثره ومات ذكره وذكر دينه على ما هو المشهود عادة من حال السلاطين والجبابرة والطغاة أنهم مهما بلغ أمرهم من التعالى والتجبّر وركوب رقاب الناس فإن ذكرهم يموت بموتهم ، وسننهم وقوانينهم الحاكمة بين الناس وعليهم ، تدفن معهم في قبورهم ، يشير إلى رجائهم هذا قوله تعالى : إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ( الكوثر : 3 ) على ما ورد في أسباب النزول .