مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( الأعراف : 53 ) .
وبهذا الذي ذكرنا يرتفع الاختلاف المتراءى بين هذه الآيات المشتملة على هذه الأحكام وبين أمثال قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ( النجم : 39 ) وقوله : وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( الأنعام : 164 ) وقوله : إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( يونس : 44 ) .
وبهذا يتّضح أن ما يجرى على الإنسان يوم القيامة من الجزاء ، خيراً كان أو شرّاً ، بفعل نفسه أو بفعل غيره هو الحق ؛ قال تعالى : وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ( الزمر : 69 - 70 ) فقوله : وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ يدلّ أو يُشعر بأن توفية كلّ نفس ما عملت إنما هي على حسب ما يعلمه الله سبحانه ويحاسبه من أفعالهم ، لا على حسب ما يحاسبونه من عند أنفسهم .
الثاني : جواب خاصّ بالشفاعة في المقام ، نقضاً وحلّا :
أما النقض : فإن القرآن يصرّح بأن دعاء الغير سبب لمغفرة الذنوب ؛ قال تعالى : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ( غافر : 7 ) فلو كان ما ذكره المستشكل صحيحاً فكيف يكون
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 227
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٢٧