تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
ليست لامية كقولنا : أم الأطفال ، بل هي بمعنى « من » كقولنا : نساء القوم وقدماء الفقهاء ونحو ذلك ، فالكتاب يشتمل على آيات هي أم آيات أخر » « 1 » . والتشابه والمتشابه لغة هو أن يكون أحد الشيئين مشابهاً للآخر بحيث يعجز الذهن عن التمييز ؛ قال تعالى : إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ( البقرة : 70 ) ومنه يقال : اشتبه علىّ الأمران إذا لم يفرّق بينهما ، ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سُمى كلّ ما لا يهتدى الإنسان إليه بالمتشابه إطلاقاً لاسم السبب على المسبب . وبمقتضى قاعدة أن المعنى الاصطلاحي لأىّ مفردة لا يأتي بعيداً عن المعنى اللغوي لها ، يكون المراد من التشابه هنا « هو كون الآية بحيث لا يتعيّن مرادها لفهم السامع بمجرد استماعها ، بل يتردّد بين معنىً ومعنىً حتى يرجع إلى محكمات الكتاب فتعيّن هي معناها وتبيّنها بياناً ، فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة ، والآية المحكمة محكمة بنفسها » « 2 » . قال الرازي : « لما كانت المحكمات مفهومة بذواتها والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات ، لا جرم صارت المحكمات كالأمّ للمتشابهات » « 3 » . وهذا
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 3 ص 20 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 3 ص 21 . ( 3 ) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب : ج 7 ص 150 . وهنا نكتة أشار إليها الرازي في هذا الموضع لا تخلو عن فائدة ، قال : « وقيل إن ما جرى في الإنجيل من ذكر الأب وهو أنه قال : إن الباري القديم المكوّن للأشياء الذي به قامت الخلائق وبه ثبتت إلى أن يبعثها ، فعبّر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الابن ، ثم وقع في الترجمة ما أوهم الأبوّة الواقعة من جهة الولادة ، فكان قوله : مَا كَانَ للهِ أَن يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ( مريم : 35 ) محكماً لأن معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية ، وكان قوله : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ( النساء : 171 ) من المتشابهات التي يجب ردّها إلى ذلك المحكم .