بأيدينا له مرتبتان ، مرتبة هو فيها « على حكيم » ومرتبة هو فيها « عربى مبين » .
والمراد من كونه « عليّاً » على ما يعطيه مفاد الآية السابقة « أنه رفيع القدر والمنزلة من أن تناله العقول ، وبكونه « حكيماً » أنه هناك محكم غير مفصّل ولا مجزّى إلى سور وآيات وجمل وكلمات كما هو كذلك بعد جعله قرآناً عربياً . وهذان النعتان أعنى كونه « عليّاً حكيماً » هما الموجبان لكونه وراء العقول البشرية ، فإن العقل في فكرته لا ينال إلا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ أولًا وكان مؤلفاً من مقدّمات تصديقية يترتب بعضها على بعض كما في الآيات والجمل القرآنية ، وأما إذا كان الأمر وراء المفاهيم والألفاظ وكان غير متجزّ إلى أجزاء وفصول فلا طريق للعقل إلى نيله . فمحصّل معنى الآيتين : أن الكتاب عندنا في اللوح المحفوظ ذو مقام رفيع وإحكام لا تناله العقول لذينك
الوصفين ، وإنما أنزلناه بجعله مقروّاً عربياً رجاء أن يعقله الناس » « 1 » .
ويدلّ على هذه المرتبة الثانية التي تستند إلى الأولى قوله تعالى : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ( الإسراء : 106 ) فقد كان القرآن غير مفروق الآيات ثم فرّق ونزّل تنزيلًا وأوحى نجوماً .
« وبالجملة فالمحصل من الآيات الشريفة أن وراء ما نقرأه ونعقله من القرآن أمراً هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد والمتمثّل من المثال وهو الذي يسميه تعالى بالكتاب الحكيم ، وهو الذي تعتمد
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 18 ص 84 .