تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨

الإشكال الرابع : لزوم تغيّر العلم في حقه تعالى

إن الشفاعة المعروفة عند الناس إنما تتمّ من خلال حمل المشفوع عنده إما على تغيير علمه أو على تغيير إرادته ، وتختصّ حالة تغيير العلم بالمشفوع عنده العادل ، لأنه لا يرفع يده عن العقوبة إلا إذا تغيّر عنده العلم بحيث أصبح يعتقد بعدم استحقاق هذا الفرد للعقوبة . أما حالة تغيّر الإرادة فتتصوّر بالنسبة إلى المشفوع عنده المستبّد الظالم ، فإنه وإن علم باستحقاق المذنب للعقوبة إلا أنه ولقرابة أو وساطة ما يغيّر إرادته من العقوبة إلى ضدّها . ومن الواضح أن هذه الشفاعة المتعارفة عند العرف والعقلاء ممتنعة عقلًا على الله تعالى ؛ لاستحالة تغيّر علمه أو إرادته تبارك وتعالى . قال محمد عبده في تفسيره : « الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره - حكم به أم لا - فلا تتحقّق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع . فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغيّر علمه بما كان أراده أو حكم به ، كأن كان أخطأ ثم عرف الصواب ورأى أن المصلحة أو العدل في خلاف ما كان يريده أو حكم به . وأما الحاكم المستبدّ الظالم فإنه يقبل شفاعة المقرّبين عنده في الشئ وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه ، ولكنّه يفضّل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرّب منه على العدالة . وكلّ من النوعين محال على الله تعالى ، لأن إرادته تعالى على حسب علمه ، وعلمه أزلىّ لا يتغيّر » « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير القرآن العظيم المعروف بتفسير المنار : ج 1 ص 269 .