جريانها يوم القيامة على يد عدّة من عباده من الملائكة والناس من بعد الإذن والارتضاء ، فهو تمليك ولله الملك وله الأمر ، فلهم أن يتمسّكوا برحمته وعفوه ومغفرته وما أشبه ذلك من صفاته العليا لتشمل عبداً من عباده ساءت حاله بالمعصية وشملته بليّة العقوبة ، وذلك عن طريق ما تقدّم بيانه من أن الشفيع إنما يحكّم بعض العوامل المربوطة بالمورد المؤثّرة في رفع العقاب مثلًا من صفات المشفوع عنده أو نحوها على العامل الآخر الذي هو سبب وجود الحكم وترتّب العقاب على مخالفته ، فلا يشمله الحكم الأول لعدم كونه من مصاديقه ، لا أن يشمله فيبطل حكمه بعد الشمول بالمضادّة .
فحقيقة الشفاعة التوسّط في إيصال
نفع أو دفع شرّ بنحو الحكومة دون المضادّة ، فهي من مصاديق السببية حيث يتوسّط السبب المتوسّط القريب بين السبب الأول البعيد ومسبَّبه .
والآيات والروايات خير شاهد على صحّة ما ادعيناه من أن الشفاعة لا تختص بالذي ذكر في الاتجاه الأول ، وإنما تجرى لتشمل العصاة والمذنبين يوم القيامة أيضاً .
فمن الآيات قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ( النساء : 48 ) فلو كان المراد هو المغفرة في ضوء الطاعة العملية من الإيمان والعمل الصالح لما صحّ استثناء الشرك في الآية ، لأن الشرك يغفر في هذا الإطار أيضاً لقوله : قُلْ يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ( الزمر : 53 - 54 ) .
الشفاعة (بحوث في حقيقتها واقسامها ومعطياتها) — صفحة 122
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٢