يقع منها فعلٌ بغير قصد ، وقد يُنسب إلى الجمادات ، والعملُ قلّما ينسب إلى ذلك ، ولم يستعمل العمل في الحيوانات إلا في قولهم : البقر العوامل » « 1 » وقال : « الهباء : دقائق التراب وما نبت في الهواء فلا يبدو إلا في أثناء ضوء الشمس في الكوّة » . « 2 » والمعنى : وأقبلنا إلى كلّ عمل عملوه - والعمل هو الذي يعيش به الإنسان بعد الموت - ففرقناه تفريقاً وجعلناه بحيث لا يمكن الانتفاع به كالهباء المنثور الذي لا يمكن القبض عليه ، ونظيره قوله تعالى : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ( النور : 39 ) . وقوله : أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَىْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ( إبراهيم : 18 ) . والكلام مبنىّ على التمثيل وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ( العنكبوت : 43 ) مثّل به استيلاء القهر الإلهى على جميع أعمالهم التي عملوها لسعادة الحياة وإبطالها بحيث لا يؤثّر في سعادة حياتهم المؤبّدة شيئاً .
ولا منافاة بين ما تدلّ عليه الآية من حبط الأعمال يومئذ وبين ما تدلّ عليه آيات آخر أن أعمالهم أُحبطت حينما عملوها في الدنيا بكفرهم وإجرامهم ، فإن معنى الإحباط بعد الموت ظهور الحبط لهم بعدما كان خفيّاً في الدنيا عليهم .
وقد ذكرت الروايات الواردة عن طرق الفريقين بعض مصاديق
هامش
( 1 ) المفردات في غريب القرآن : ص 348 مادة « عمل » .
( 2 ) المفردات في غريب القرآن : ص 536 مادة « هبا » .