ما نُريد أن نقوله في المقام هو أن هذه الرمزية لقيم الحقّ والباطل لم تُبرز بشكل دقيق وحيويّ كما أُبرزت في النصّ القرآني ، والسرّ في ذلك هو أن النصّ القرآني قد اعتمد كثيراً في حركته الإستراتيجية - وعلى المستويات الثلاثة من الهداية : العامّة والخاصّة والأخصّ - على وسائلية هاتين القيمتين في تحقيق أهدافه ، والتي يُمكن أن نطلق عليها عنوان وسائلية الترغيب والترهيب أو وسائلية الثواب والعقاب أيضاً ، ولكن مع مُلاحظة بعض الخصوصيات .
إنّ رمزية الحقّ والباطل في القرآن في الوقت الذي تُمثّل كمالًا معرفياً مُتميّزاً ، والذي سنقف عنده في الفصول اللاحقة عندما نتعرّض للقيم الإلهية والقيم الطاغوتية في التفسير الموضوعي للآية الكريمة وفي تأويلاتها ، فإنّها تُمثّل منفذاً للتعبير من قبل طُلّاب الحقّ والحقيقة ، ومن قبل المُضطهدين في الأرض ، ولا نعني هنا أُسلوب التهدئة واستفراغ الغضب ، فذلك مرفوض قرآنياً ، وإنّما عنينا ترشيد السلوك الإنساني ، فالرمزية هنا لا تأتي وهي مُفرغة من مضامينها الحقيقية ، ولذلك فإنّ حضورها تعبير آخر عن حضور مضامينها العظيمة ، وهنا يكمن الترشيد والتصحيح ، فليس كلّ طالب حقّ مُصيباً للطريق « 1 » ، وهذا واضح .
هامش
( 1 ) ورد هذا المعنى الرفيع في كلمة لأمير المؤمنين ( ع ) حيث قالها في حقّ الخوارج : ( لا تقاتلوا الخوارج بعدي ، فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه - يعني معاوية وأصحابه ) . نهج البلاغة : ج 1 ، ص 108 ، رقم : « 61 » . .