وهنا نشأت إشكالية صميمية تكمن في تفعيل آليات الرمزية الحداثوية في قراءة النصّ الديني ، وحيث إنها آليات كانت تتعاطى مع نصوص بشرية قابلة للإضافة والحذف ، وللأخذ والردّ ، فإن هؤلاء القرّاء ساقوا معهم جدليات وتناقضات المُعطى البشري وأسقطوها على النصّ الديني عموماً ، فأحدثوا لنا شروخاً عميقة في قراءة النصّ وتركوا أثاراً سلبية أفضت بالمُتلقّين إلى العزوف عن التعاطي مع النصوص الدينية ، وهذا ما نلحظه بوضوح في الساحتين التوراتية والإنجيلية ، فهذه النصوص على ما أصابتها من تشويهات تأريخية إلّا أنّها كانت تؤدّي مجموعة أدوار إيجابية في بناء الإنسان والمجتمع الأُوربي - خصوصاً - انطلاقاً من قداستها وخلفيتها الإلهية والنبوية ، والخسارة لا تنتهي عند الدور التربوي والأخلاقي وإنّما تتعدّاها ذلك إلى انطفاء أصل التلقّي من المُعطى السماوي ، حتى صارت معطيات العلوم الطبيعية والتجريبية هي المُبتدى والمنتهى في رسم وبناء منظوماتهم الفكرية على مدى عقود غير قليلة ، ولم تزل هي الحاكم الأوّل في مصائر المعرفة وتشخيص مفاصل الرؤية الكونية المادّية .
إنَّ النصّ الديني وإنّ رفع شعار الهداية في محافله التبليغية ، ولكنها ليست هداية تلقينية ، وإنّما هي هداية تدبّرية ، بمعنى أنّها هداية معرفية بالمرتبة الأُولى ، وكلّ ما يُمكن تصوّره من معطيات أُخرى ، أخلاقية وسلوكية واجتماعية وغير ذلك ، إنّما هي مراتب تقع في طول الهداية المعرفية التدبّرية .
الرمزية والمثل في النص القرآني — صفحة 22
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٢