إنّ الرمزية التقليدية صائبة في أصل تعاطيها مع النصّ الديني ، والرمزية الحداثوية صائبة ومهنية أيضاً في تعاطيها مع النصّ البشري ، وأما تفعيل الرمزية التقليدية في النصّ البشري أو تفعيل الرمزية الحداثوية في النصّ الديني فذلك أمر يُشكّل ظاهرة خطيرة جدّاً تحتاج منّا التروّي والتمهّل والتدبّر والتحقيق . وهذا يعني أنّنا لا نرفض جميع آليات القراءة الحداثوية للرمزية ، وإنّما نرفض بشدة تطويع النصّ وإلغاء مقاصد المتكلّم وتمييع الدلالات اللغوية بصورة نهائية .
من هنا نحذّر وبشدّة جميع المهتمّين بقراءة النصّ الديني والمُلتفتين إلى رمزية النصّ ، من السقوط في ثنائية النصّ والقارئ وعزل المتكلّم نهائياً عن حركتهم العلمية ، وممّا يُؤسف له أن هذه السقطة المعرفية قد أوقعت الكثير من طُلّاب العلم والحقيقة في توهّمات أفرزتها العقول المُفرغة من كمالات المطلق ومقاصده . إنّها خسارة أُخرى وفوضوية أُخرى تُضاف إلى الخسارة الكُبرى التي خلّفتها لنا فوضى القراءة التجزيئية التفكيكية ، فكانت النتائج من هذه وتلك واضحة المعالم من حيث السذاجة والسقوط عن الاعتبار .
وهذه القراءة التجزيئية التفكيكية بين مراتب القراءة التفسيرية ، وتلك الفوضى الحداثوية تركت لنا طبقتين من القرّاء تشتركان بنقاط وتفترقان بأُخرى ، أما نُقاط الاشتراك فأهمّها وأسوؤها هي الاستغراق في ترف معرفي كاذب ، وأما نقاط الافتراق فمنها ابتعاد الحداثويين عن عالم الواقع وتذويب مشكلاته الروحية والاجتماعية والسياسية واستبداله
الرمزية والمثل في النص القرآني — صفحة 23
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٣