وعليه فالرمزية ليست أُفقاً رحباً لكلّ قارئ البتّة ، وإنّما هي مرحلة مُتطوّرة نتائجية توجيهية أعلائية تقع في طولها حلقات غير قليلة من التفحّص والدراية بمجريات العملية التفسيرية ، فالرمزية بكلمةٍ مختصرة - في أُفق الاستعمال وعلى مُستوى تصوير وتقريب المراد الجدّي الفعلي للنصّ - تُعتبر حلقة صميمية في كيان العملية التأويلية ، وقد عرفت - وسيتّضح لاحقاً أكثر - أن المرحلة التأويلية هي نهاية المطاف في قراءة النصّ القرآني .
جدير بالذكر أن النصوص التي تسلك توجّهاً رمزياً إنّما تحمل في رحمها معاني جمّة تضيق العبارة بها ، فالرؤية فيها مُطلقة غير محدودة ، تضيق بها جميع القوالب اللفظية ، فيتحرّك النصّ في رمزيته حركة مقدارية ترسم حدودها رؤية وتفحّص القارئ ، وهذا هو المصداق القريب لقوله تعالى : أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً . . . ( الرعد : 17 ) ، وكما أن الأخذ لا يُمكن أن يكون بأيّ حال من الأحوال اتفاقياً فكذلك المعاني القريبة والبعيدة للنصّ على امتداد الزمن لا يُمكن أن تكون هي الأُخرى اتفاقية بأيّ حال من الأحوال .
فالمتكلّم الحكيم لا يُطلق العبارات المُغلقة لكي يرصد لها القارئ معاني اتفاقية تفرضها قبلياته وتتحكّم فيها قصديّته ، وإنّما هنالك دوائر مُطلقة في معانيها المراتبية مؤطّرة بجملة من القرائن والظروف الموضوعية ، فتدبّر .
إنّ القارئ وظيفته تجاه رمزية النصّ استجلاء معانيه الخفيّة والبعيدة
الرمزية والمثل في النص القرآني — صفحة 19
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٩