المدى لا أن يُوجد للنصّ معاني أفرزتها قوالبه الخاصّة ، فمثل هذا الدور السلبي في مُحاكاة رمزية النصّ يُفقد النصّ مضامينه ويُبعثر حركته المركزية باتّجاه مقاصده المعرفية العليا .
فالنصّ القرآني ليس نصّاً أدبياً محضاً يتحرَّك فيه مُبدعه صياغياً ، فينتقي المفردة بدقّة وتكون عنده مأخوذة لا بشرط من حيث المعنى نظراً لانطفاء الغاية بحضورها ، كما هو الحال في جملة من النتاج الأدبي المعاصر ، إنَّ هذه اللاأدرية من حيث المعنى القريب والبعيد معاً منفية تماماً عن حياض النصّ القرآني .
ومن هنا سوف تبطل رؤى عديدة تبنّتها جملة من مدارس الهرمنيوطيقا « 1 » ، والتي من جملتها - وأخطرها - تغييب مقاصد المتكلّم
هامش
( 1 ) الهرمنيوطيقا مصطلح قديم ظهر في اللاهوت الكنسي بمعنى مجموعة القواعد التي يعتمد عليها المفسّر في فهم الكتاب المقدّس ، وقد استعمل في الدراسات اللاهوتية للدلالة على هذا المعنى منذ سنة 1654 م ، ولم يزل مستخدماً بنفس المعنى في اللاهوت البروتستانتي ، غير أنّ مفهومه اتّسع بالتدريج فشمل دوائر أخرى تستوعب بجوار الدراسات اللاهوتية العلوم الإنشائية والنقد الأدبي وفلسفة الجمال والفلكلور . وإنَّ لفظ الهرمنيوطيقا لفظ يوناني ( بيري هرميناس ) وضعه أرسطو كجزء من أجزاء المنطق ، ويعني كما ترجمه قدماء المناطقة : قضيّة العبارة ، أي كيف يمكن تفسير العبارة . ثمّ تطوّر الأمر عند اللغويين ، وأصبح يسمّى ( ذانترتسيونك ) ، أي : قضية التفسير ، ثمّ تطوّرت الأمور في العصر الوسيط عند أوغسطين وعند تاسيان وعند أورجين ، وفي العصر المبكر عند آباء الكنيسة ، من أجل معرفة : كيف يمكن فهم النصّ الديني . انظر : مجلة قضايا إسلامية معاصرة ، العدد السادس ، الهرمنيوطيقا والتفسير ، د . حسن حنفي .
وسوف يتعرّض السيّد الأُستاذ لموضوعة الهرمنيوطيقا عند بحث علاقة النصّ بالقراءة في خواتيم هذا الكتاب . .