تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرمزية والمثل في النص القرآني — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
الانعكاس الأوّل والأكثر وضوحاً لصفة ومقوّمات الناطقين بها ، فاللغة لا يسعها التنصّل عن تراث أصحابها ، ولذا فهي مستودع حقيقي للنتاج الديني أوّلًا ، نظراً لكون الدين يمثّل الانطلاقة الأُولى في حركة الإنسان ، وهذا الكائن الكامن في رحم اللغة - وهو الدين - لا يأتي مجرّداً عن ظروفه الموضوعية وحواضنه الأساسية ونتائجه البعيدة المدى ، ولذا فهو يأتي مُعبّأً بكلّ ما هو تأريخي الحركة ، كالنزعة العرقية أو الردود الشعوبية ، فاللغة كما قلنا معطى حضاري من الدرجة الأولى ، ولذا فهي تظلّ مخلصة لبيئتها ، وهذا ما يُفسّر لنا بوضوح بطء حركة التغيير في اللغة إن لم تكن معدومة بالقياسات المعاصرة . من هنا فنحن لا نجد هذا العلم بعيداً عن تراثنا الإسلامي ، بل لا نراه مولوداً خارج هذا الإطار ، فإن العملية التفسيرية - على سبيل المثال لا الحصر - ولدت وتنفّست في حاضرة هذا العلم ، غاية الأمر أن جملة من لغويي ومفكّري الغرب أبرزوه بنحو علم مُستقلّ ، ونحن لا نُريد أن نغمطهم حقّ الإبراز بقدر ما نُريد بيان قِدَم هذا العلم وأصالته وازدهاره في ضوء العملية التفسيرية في سطورها الأُولى ، وهذا ما يُنبّهُنا إلى مدى هيمنة التراث اللساني العربي آنذاك ، وكيف أنّ أهل الفنّ قد جعلوه مطيّتهم في سبر غور القرآن الكريم . كما أنّ تُراثنا اللغوي والأدبي والإعجازي حافلٌ بمحاولات جادّة في التصنيف الألسني ، وكشاهد على ذلك ما تركه لنا فقيه اللغة والبلاغة عبد القاهر الجرجاني في كتابه الجليل : ( دلائل الإعجاز في علم المعاني ) .