بأشياء قبله . وأمّا الدقيق فيحتاج إلى علم سابق فلابدّ من عالم ، ثمّ إنّه قد يكون دقيقاً في غاية الدقّة ، فيدركه ولا يدركه بتمامه ويعقله إذا كان عالماً ، إذا علم هذا فقوله : وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ يعني هو ضرب للناس أمثالًا وحقيقتها وما فيها من الفوائد بأسرها فلا يدركها إلّا العلماء ) « 1 » .
فتحصّل لدينا أن ضرب المثل القرآني هو دعوة للعلم والتعقّل ، دعوة للتدبّر ، دعوة للعمل به ، فإن كان القارئ جامعاً لذلك فهو متعقّل للقرآن وهو من العالمين ، وهذا التعقّل والعلم حقيقي واقعي وليس أمراً اعتبارياً ، وهذا واضح .
الهدف الرابع : الدعوة إلى أصل التأمّل في ضرب المثل
ولهذا المثل صلة بما تقدّم ، فإنّه يُعمّق الدعوة للتأمُّل والتفكُّر في المثل القرآني ، لكي لا يشذَّ المؤمن عن الجادّة . إنه دور وقائي ينهض به المثل القرآني ، ويشدّ المؤمنين إليه في بعده الإيجابي ، ولكن أصحاب النار لا يزيدهم إلّا خساراً « 2 » ، فهو الشفاء والرحمة للمتأمّلين فيه ، وهو الخسار لمن ضلّوا عنه . قال الله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : ج 25 ، ص 62 . والآية : ( العنكبوت : 43 ) .
( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلَّا خَسَاراً . ( الإسراء : 82 ) . .